تحديثات
رواية بنت القلب الفصول 1-10 للكاتب عبد الرحمن أحمد
0.0

رواية بنت القلب الفصول 1-10 للكاتب عبد الرحمن أحمد

اقرأ رواية بنت القلب الفصول 1-10 للكاتب عبد الرحمن أحمد

اقرأ الآن رواية بنت القلب الفصول 1-10 للكاتب عبد الرحمن أحمد بالعربية فقط وحصريا علي مقهي الروايات. كما يمكنك قراءة العديد من الروايات المختلفة; صينية, كورية, يابانية والعديد من الروايات العربية المميزة.



رواية بنت القلب للكاتب عبد الرحمن أحمد الفصل الأول

استلقت أمامه وقالت بحزن وهى تنظر إلى سقف الغرفة :
- بحسهم كلاب ، كل ما بشوف راجل بحسه هيهوهو فى وشى يا دكتور ، لما باجى أتكلم مع حد ببسبسله كأنى بنادى لقطة ، بعامل الناس كأنهم حيوانات وكله بقى يتجنبنى بسبب كدا ، أقولك على حاجة يا دكتور ؟
حرك طيف رأسه بالإيجاب ليقول :
- قولى يا نيران
أسرعت نيران لتقول :
- أنا متخيلاك معزة قدامى دلوقتى وحسيتك هتقول ماء من شوية.

رفع طيف حاجبيه بتعجب لكنه لم يعلق ونطق قائلًا :
- طيب كملى يا نيران وايه تانى ؟
عاودت النظر إلى السقف مرة أخرى لتقول :
- مابقتش عارفة أتعامل مع حد يا دكتور ، كل شخص بقى متسجل فى دماغى على هيئة حيوان مختلف ، الغريب إنى بعامل الحيوانات على إنهم بشر ، حاسة إنى اتجننت .. خسرت صحابى كلهم علشان افتكرونى مجنونة ، أنا مش مجنونة يا دكتور .. أنا حاسة إن أنا تعبانة وكل حاجة فى دماغى بالشقلوب .. علشان كدا جيتلك تساعدنى.

حرك طيف رأسه ونطق متسائلا :
- أنتِ بتحبى ايه فى الحيوانات ؟
أسرعت نيران بالرد :
- بحب القطط طبعًا ونفسى أتسخط قطة
رفع طيف حاجبيه مرة أخرى وحاول كتمان ضحكاته قدر المستطاع حتى لا تشعر بشىء ، أجابها بتلقائية :
- تتسخطى قطة ؟
حركت رأسها بالإيجاب قبل أن تقول :
- ايوة ، ماتمنتش قبل كدا تتسخط معزة ؟

- لا الصراحة .. أنا بنى آدم وده شرف ليا .. الحيوانات ماعندهمش عقل .. لازم تفتخرى إنك إنسانة ، ايوة طبعا القطط حلوة مقولناش حاجة بس تحبيها تربيها مش تتمنى تكونى منهم يعنى
لوت شفتيها قبل أن تقول بثقة :
- كلامك مغيرش فيا حاجة ! انا لسة عايزة أكون قطة

وقف طيف وأدار وجهه للجهة الأخرى وهو يقول لنفسه :
- وبعدين بقى فى الحالة الغريبة دى ! أنا عدى عليا حالات كتير أوى لكن أول مرة يجيلى حد مجنون بجد
عاود النظر إليها مرة أخرى ليقول :
- طيب بصى ، عايزك تقولى إنا إنسانة أنا إنسانة أنا مش قطة قوليها كتير أوى وأنتِ مغمضة عينيكِ واتخيلى نفسك بتجرى فى مكان واسع وكبير أوى وقولى أنا إنسانة وكرريها كتير لغاية ما أقولك اقفى ، تمام ؟
حركت رأسها وبدأت فى تنفيذ طلب الطبيب طيف وأغلقت عينيها وبدأت تقول
" أنا إنسانة إنسانة أنا مش قطة أنا إنسانة أنا مش قطة ، ميااااااووو مياااااو "

وضع طيف يده على وجهه ثم نطق بصوت عالٍ :
- خلاص وقفى
فتحت نيران عينها ونظرت للطبيب بعد أن انهمرت الدموع من عينيها لتقول :
- شوفت يا دكتور ، مفيش فايدة .. انا حاسة إنى كنت قطة واتسخطت بنى آدمة
جلس طيف مرة أخرى أمامها وبدأ الحديث
- بصى يا نيران أنتِ دلوقتى مشكلتك إنك متخيلة إن كل البشر حيوانات وإنك حيوانة زيهم وده بالبلدى كدا اسمه هروب من الواقع أو بمعنى أصح حصلك حاجة أثرت عليكِ جدا علشان توصلى للمرحلة دى علشان كدا عايزك تحكيلى كل حاجة عنك من ساعة ما وعيتى على الدنيا لغاية دلوقتى تمام ؟
حركت رأسها بالإيجاب وأغلقت عينيها لتبدأ سرد ما تتذكره عن حياتها ...

أنا نيران أمجد السلامونى ، عندى 22 سنة وخريجة كلية التجارة .. الحكاية بدأت من سنتين بالظبط لما حبيت زميلى فى الكلية وكنا بنحب بعض أوى بس هيثم كان فقير جدًا وأنا من عائلة كبيرة وغنية.. هيثم اتقدملى بس للأسف بابا رفضه فقررت أهرب مع هيثم لكن هو رفض وقالى إن بابا جرحه فى الكلام وإنه مش هيتجوزنى وسابنى ، فضلت منهارة ومش عارفة أعمل حاجة خالص غير إنى أعيط وبس وخلصت دراستى ومن ساعتها حاسة اللى حكيتهولك ده ، مش طايقة البنى آدمين وبحسهم حيوانات.

تعجب طيف من حديثها وشعر أن هناك شىء أكبر وأن ما تقصه عليه كذب للهروب من الحقيقة فصاح قائلًا:
- على فكرة أنتِ بتكدبى ومفيش حاجة من دى حصلت ومش ده اللى حصل
وقفت نيران ونظرت إليه بغضب شديد لتصرخ فيه قائلة :
- أنا مش كدابة ، أنت على فكرة دكتور بهايم مش بنى آدمين .. أنا غلطانة إنى جيت لواحد زيك يا .. يا معزة
وتركته فى حالة دهشة وتعجب ورحلت على الفور ، بقى طيف على هذه الحالة ينظر إلى الباب بتعجب وقال لنفسه :
- مش أنت اللى دخلت طب نفسى استحمل بقى ، هى كانت ناقصة مجانين على الصبح أصلًا
نهض طيف وخرج من الغرفة الخاصة به متجهًا إلى الخارج ليتاكد من عدم وجود أحد فلم يجد ..

دلف إلى الغرفة مرة أخرى ومنها توجه إلى الشرفة وأخذ ينظر إلى السماء ثم أخفض رأسه ليتابع الشارع وما يحدث به ليتفاجئ بجلوس نيران أسفل البرج وتضع يدها على وجهها ويبدو أنها تبكى !
- مالها دى !! ومالها قاعدة كدا ليه ؟ هى بتعيط ولا اية !ليحدث نفسه : وأنا مالى .. طب ما أنزل اشوفها ، ما تتحرق ياعم دى هزقتك .. بس أنت برضه دكتور نفسى وعارف المريض بيمر بايه انزل ساعدها
كانت الحرب قائمة بداخل طيف حول النزول أو البقاء لكنه قرر فى النهاية التوجه إلى الأسفل ومساعدتها ..
تحرك طيف ودلف إلى المصعد ومنه توجه إلى الدور الأرضي وخرج الى الشارع متجهًا إليها ، تحرك بهدوء حتى اقترب منها وقال بحنان :
- ممكن أعرف بتعيطى ليه ؟

نظرت إليه بغضب وأردفت :
- وأنت مالك ، أعيط زى ما أنا عايزة
لم يعلق طيف واقترب منها ليجلس بجوارها ، ظل بجوارها لا يتحدث وهى أيضًا لا تتحدث حتى نطق أخيرًا :
- تعرفى إن المكان هنا هادى أوى ومريح
نظرت إليه ثم عاودت النظر أمامها مرة أخرى دون أن تنطق فتحدث مرة أخرى قائلًا :
- أنا أسف علشان قلتلك إنك بتكدبى
نظرت إليه بعينان دامعتان :
- انا فعلا كنت بكدب .. أنا أسفة
ابتسم ونظر إليها قبل أن يقول بهدوء :
- طيب ممكن تحكيلى بقى بس المرة دى متكدبيش عليا ؟

فرت دمعة من عينيها قبل أن تقول بحزن :
- هتصدقنى لو قلتلك إنى مش عارفة أنا مين !!
حرك رأسه بعشوائية متسائلًا :
- ازاى مش فاهم !
مسحت دموعها ثم أردفت :
- صحيت من النوم لقيتنى من عائلة غنية واسمى نيران ومعرفش أى حد ، كل اللى عرفته إنى فقدت الذاكرة ومحدش راضى يقول أكتر من كدا .. كله بيعاملنى كأنى طفلة صغيرة وأنا بعاملهم كأنهم حيوانات .. مش فاهماهم ولا هم فاهمينى ، حاولت أنتحر أكتر من مرة لكن فى كل مرة بينقذونى على آخر لحظة ، أنا مش طايقة الحياة .. أنا لو فاقدة الذاكرة يبقى أموت احسن.

كان سعيدًا لصراحتها فى الحديث وكان يستمع لكل كلمة تقولها حتى انتهت فأردف بهدوء متفهم :
- مش أى حاجة حلها الموت ، لنفترض إنك فقدتى الذاكرة كدا الحياة انتهت ؟!! الطفل لما بيتولد ويلاقى نفسه مش عارف أى حاجة ولا عارف حد ومش عارف يتكلم ومعندوش أى معلومة بيروح ينتحر !! ولا بيتعلم ويعيش حياته ويكملها ويكتسب خبرات ويتعرف على ناس جديدة ويعمل علاقات وإلخ
قاطعته قائلة باستنكار :
- بس أنا مش طفلة صغيرة ، الطفل بيبقى قدامه عمر طويل يقدر يعمل كل ده لكن أنا عندى 22 سنة !! هبدأ تانى من السن ده ؟ أخلص تعليم لما أبقى عجوزة بقى ؟

حرك رأسه بالنفى قائلًا :
- مش ده القصد ، القصد إنك تتقبلى ده بمعنى تعيشى حياتك وتتعرفى على كل اللى حواليكى من الأول تانى ، مش معنى إنك فقدتى الذاكرة يبقى الحياة انتهت ، كملى واتقبلى كدا ... من عوامل سعادة الإنسان تقبله لنفسه ورضاه عن نفسه ، يعنى دايما كدا تبصى لنفسك وتفتكرى حاجة إيجابية عملتيها وتفضلى تكرريها فى دماغك هتلاقى نفسك سعيدة ..تتقبلى حالتك مهما كانت.

حركت رأسها بحزن قائلة :
- مش عارفة ، إحساس إن كل اللى حواليا عارفينى وبيسلموا عليا وبيهزروا معايا وأنا معرفهمش أصلا إحساس وحش أوى ، حتى لما بصارحهم وأقولهم انا حسّاكم حيوانات وكدا بيزعلوا مش مقدرين تعبى ، حتى أهلى بحسهم بيعاملونى بحذر أوى زى ما أكون عملت مصيبة قبل ما أفقد الذاكرة
ابتسم طيف قبل أن يقول :
- طيب ما تجربى تعيشى حياتك عادى وتضحكى وتهزرى مع الكل ، جربى كدا عيشى بنى آدمة طبيعية النهاردة بس وهستنى بكرا منك تيجى وتقولى نجحتى ولا لا .. هااا ؟ اتفقنا.

نظرت إليه بتفكير بضع ثوانٍ قبل أن تجيبه :
- موافقة بس لو مانجحتش
وقف طيف ونظر إليها قائلًا :
- ساعتها هتيجى برضه علشان نبدأ رحلة العلاج
رحل وتركها تفكر فى حديثه وكيف تنفذ ذلك ..

طيف أيمن ضياء ، شاب فى الثلاثين من عمره ، تخرج من كلية الطب النفسى جامعة القاهرة ، شخصية مرحة ويملك العديد من الأصدقاء ، الابن الأكبر للواء أيمن ضياء ....

انطلقت بسيارتها متجهة إلى الفيلا وهى تفكر فى حديث الطبيب طيف حتى قررت فى النهاية تنفيذه ، وصلت نيران إلى الفيلا لتجد الجميع بالداخل " أعمامها وأبنائهم وأبناء خالتها وأصدقاء والدتها وأصدقاء والدها " كانت الفيلا وما حولها مزدحم بالكثير من الأشخاص التى لا تعرفهم نيران جيدًا بسبب ذاكرتها التى اختفت ولم تعرف سبب اختفائها حتى الآن ، لا تصدق ما يقيل بأن ذاكرتها قد اختفت فى حادث .. كل ما تصدقه هو أن هناك شىء غامض وستكتشفه قريبًا فى منزل الحيوانات هذا !!
دلفت إلى داخل الفيلا وصاحت بمرح :
- مامى .. مش تقوليلى إن الحفلة هتبدأ بدرى كدا علشان الحق أجهز نفسى
نظرت والدتها "أنهار" إليها بتعجب فهى لأول مرة منذ فقدانها للذاكرة تقوم بمنادتها هكذا ، ابتسمت أنهار قائلة :
- أنتِ قلتِ مامى !!

حركت رأسها بالإيجاب لتقول مبتسمة :
- أيوة يا مامى ، مستغربة ليه ؟
ضمتها الأم بحب شديد ثم اعتدلت ونظرت إلى عينيها قائلة :
- تعالى معايا ، لازم تبقى أجمل واحدة فى الحفلة دى .. عندى ليكِ فستان كنت جايباه ليكِ وكنت هديهولك لكن حصل اللى حصل ده بس أهو جه الوقت .. تعالى يا حبيبتى
تحركت نيران مع والدتها وفى داخلها سعادة لاتعرف مصدرها لكن من الواضح أن تنفيذها لما قاله طيف صحيح وأن طريقتها الجديدة ستساعدها كثيرًا على تخطى تلك الأزمة ...

شعر بملل شديد فقرر زيارة والده فى مكتبه بمديرية أمن القاهرة ، وصل طيف إلى المديرية وأذن له أمين الشرطة بالدخول بعدما أخذ الإذن من اللواء أيمن ، دلف إلى داخل المكتب ليجد والده يجلس ويقول بتعجب :
- طيف ! أنت مش المفروض عندك شغل ؟
جلس وهو يقول مازحًا :
- المفروض بقى يا سيادة اللواء بس اعمل ايه مفيش مرضى ، الناس كلها بقت عاقلة وأنا اللى شكلى هتجنن
حرك أيمن رأسه باستنكار ليقول :
- دلوقتى ندمان ! ماأنا قلتلك ادخل كلية الشرطة علشان تطلع لأبوك لكن أقول ايه بقى .. أصريت تدخل طب وياريت طب عادى ، ده أنت دخلت قسم المجانين
- خلاص بقى يا حاج أنت هتقعد تقطم فيا .. اللى حصل حصل وبعدين أنا حابب الشغل اللى فيه بس اللى مزعلنى قلة الشغل بس ، مابيجيش حالة غير كل يومين مثلًا وبيحضروا جلسة ومش بيكملوا ، ما تشغلنى معاك هنا إنشالله أمين شرطة.

أشار أيمن إلى الباب ليقول بجدية :
- شايف الباب ده ؟
حرك رأسه بالإيجاب ليقول :
- ايوة شايفه
تابع والده حديثه :
- قوم واخرج ومتنساش تشده وراك ، مش فاضيلك عندى شغل
وقف طيف ليقول مازحًا :
- بتطردنى من مكتبك يا سيادة اللواء ؟ ماشى ماشى .. حسابنا فى البيت
- يلا بدل ما أنادى لرمزى ياخدك على الحجز
رفع حاجبيه بتعجب قائلًا :
- تسجن ابنك ! لا وعلى ايه أنا ماشى يا باشا.

رحل طيف وهو يفكر هل يعود إلى العيادة الخاصة به أم يهاتف صديقه مازن ليجلس معه لبعض الوقت ، انتهى به التفكير بأن يتصل بصديقه وبالفعل هاتفه وحدد معه ميعاد بعد ساعة من الان فى "المقهى" الذى اعتادوا الجلوس فيه ..
استقل سيارة "ميكروباص" وجلس فى طريقه إلى صديقه ، كانت الرائحة فى السيارة لا تطاق .. لا يعلم مصدر تلك الرائحة فصاح قائلًا :
- اية ياأسطى أنت دافن حد فى العربية ولا ايه؟
نطق السائق بغضب :
- جرى ايه يا أخ أنت هى ناقصة هزارك فى أم اليوم المقرف ده ؟

- خلاص ياعم أنا غلطان ، وبعدين وطى صوت الأغانى اللى أنت مشغله ده شوية هتطرشنا
نظر إليه السائق بغضب ثم أخفض الصوت وهو يقول :
- أنا اصطبحت بوش مين النهاردة بس يارب
نطق طيف بصوت منخفض :
- أكيد اصطبحت بوشك اللى محتاج يتنجد ده ، هتخلوا الواحد يتنمر على المسا.

صاح السائق مرة أخرى قائلًا :
- بتقول ايه يا جدع أنت ؟
- بستغفر ربنا فى سرى ياعم ، ايه مانع الإستغفار فى العربية كمان ؟
تابع السائق طريقه حتى أوقفه طيف قائلًا:
- بس على جنب هنا ياأسطى
وقف السائق ونزل طيف من السيارة وما إن نزل حتى استنشق الهواء من جديد وأخذ يتنفس الصعداء ...

انطلق إلى المقهى وما إن وصل حتى صاح مازن بتعجب قائلًا :
- ايه ياابنى اللى بهدلك كدا !
نطق طيف بغضب ليقول :
- أم المواصلات وسنينها أنا مش عارف يعنى العربية هتخلص امتى فى سنتها دى ، قلت أجرب أركب ميكروباص وحلفت ما هركبه تانى
تحدث مازن ضاحكًا :
- اقعد بس وهدى أعصابك يا عم وبعدين غريبة إنك تكلمنى دلوقتى والمفروض ده وقت شغلك يعنى
عاد بظهره إلى الخلف وهو يقول :
- مفيش شغل ياعم .. يادوب واحدة مجنونة جت النهاردة ومشيت ومش هتيجى تانى زى اللى قبلها
- اعترف إنك دكتور فاشل.

نظر إليه طيف إليه بنصف عين ليقول :
- تنمر يعنى وكدا !! ماشى يا ابن أم مازن على الأقل مابنتش برج اتصالات وخليت الشبكة توصل بالسالب والكلام يتعكس فى الإشارة
فرك مازن فروة رأسه قبل أن يقول :
- ايه القصف ده ياعم أنا بهزر يا طيف مابتهزرش ياجدع ، قلى هتتفرج على ماتش الأهلى فين النهاردة ؟
أجابه طيف بعد أن فكر :
- مش عارف ، لو بابا مجاش هكلمك ونتفرج عليه مع بعض
- خلاص اشطا ، صحيح ماقلتليش هى حلوة ولا لا ؟

ضم طيف حاجبيه متعجبًا :
- هى مين دى ؟
غمز له قائلًا :
- المجنونة بتاعة النهاردة
ابتسم طيف قائلًا :
- اهاااا وأنت مالك ، خليك فى أبراج الشبكة بتاعتك يا هندسة وبعدين صحيح ماقلتليش اتخانقت أنت ونامى ليه
تبدلت ملامحه ليقول بغضب :
- ياعم دى مستفزة ، من ساعة ما اتخطبنا وهى كل ما تكلمنى واتس تاخد اسكرين شوت لكلامنا وتنزله على الجروب الزفت اللى اسمه بسبسة او نرمشة ده
قهقه طيف قائلًا :
- قصدك دندشة
- وات ايفر بقى ، ناس مريضة أصلًا .. مسكت موبايلها بالصدفة لقيتها مشهورة فى الجروب وكل كلامنا نازل بقى وضحك وآخر مسخرة وقلة أدب روحت هابب فيها وبقالى أسبوع مش برد عليها.

اعتدل طيف ليقول بجدية :
- اهدأ بس كدا وروق أعصابك هم البنات كلهم كدا ، وبعدين تلاقيها كانت بتعمل كدا من فراغها ومتقصدش حاجة
صاح مازن بغضب :
- فراغ ايه ؟ فراغ تقوم فاضحة كل اللى بينا على جروب ! فراغ تقلب كل الشاتات هزار وضحك وتريقة على كلامنا والكومنتات مستفزة
ربت طيف على كتفه قبل أن يقول :
- اهدأ بس وأنا هكلمهالك النهاردة
ثم وقف وهو يقول :
- أنا هروح الشقة أجيب البطاقة نسيتها فى المكتب وبعدين أروح ولو كدا هكلمك نتفرج على الماتش مع بعض اشطا ؟
- تمام اشطا.

رحل طيف متجهًا إلى مكتبه واستقل سيارة أجرة وما إن خرج منها حتى تفاجئ بما وجده !!
وجدها تجلس أسفل البرج ويبدو أنها تنتظره
نطق طيف بصوت منخفض :
- نيران !!

اللى مستنيين الاكشن خلو بالكم طويييل علشان الرواية طويلة وفيها من المصايب ألف...
رواية بنت القلب للكاتب عبد الرحمن أحمد الفصل الثاني

صرخت فى طفل زوجها صرخة مدوية :
- اييييه مش قلتلك تنضف الأرض كويس ؟ الأرض زفت لييه

تراجع الطفل نور ذو الثمانية أعوام بضع خطوات خائفًا من العقاب الذى سيناله من زوجة أبيه ، اقتربت منه وأخذت تضربه بعصا خشبية كبيرة دون رحمة ، كان يصرخ ويتألم لكنها لا تتوقف عن ضربه
- أنا لما أقولك على حاجة تعملها بذمة مش تكروتها كدا ، فاهم

نطق الطفل من بين بكائه وتألمه :
- فاهم فاهم ، كفااية أبوس ايدك

تركته ونظرت إليه بغضب شديد لتقول :
- نص ساعة لو مالقتش الأرض دى بتلمع هكسر عضمك

رحل طيف متجهًا إلى مكتبه واستقل سيارة أجرة وما إن خرج منها حتى تفاجئ بما وجده !!
وجدها تجلس أسفل البرج ويبدو أنها تنتظره
نطق طيف بصوت منخفض :
- نيران !!

توجه إليها بهدوء حتى وصل إليها وأصبح أمامها مباشرة
- بس بس
رفعت رأسها لتقول مبتسمة :
- اية ده يا دكتور أخيرًا اقتنعت إنى قطة وبقيت تبسبسلى ؟
وضع يده على رأسه وقال بهدوء :
- حصلينى على المكتب فوق يا نيران ، قصدى يا قطة
شعرت بالسعادة البالغة لكلماته التى ألقاها وتحركت خلفه ...

وصل طيف إلى مكتبه بعدما فتح باب شقته التى تشبه العيادة الطبية ، جلس وأشار إلى نيران بالجلوس فجلست
ظلت صامتة حتى نطق طيف قائلًا :
- كنا ماشين كويس حصل ايه بقى يا نيران ؟ مش اتفقنا إنك تحاولى تتعاملى عادى ؟

تبدلت ملامحها إلى الحزن وأردفت :
- حاولت يا دكتور .. روحت وحاولت أتعامل مع ماما صح لغاية ما جابتلى فستان علشان أقضى معاهم الحفلة اللى عاملينها لكن بمجرد ما شوفت الفستان قلتلها فين الفروة وفين الديل بتاع الفستان لقيت ملامحها اتغيرت وبقت تبصلى على أساس إنى مجنونة ، أنا مش قادرة أتعامل معاهم كأنى بنى آدمة ، مش عارفة

أشار إليها طيف بالاستلقاء على الشازلونج فنفذت ما طلبه وجلس أمامها وبدأ الحديث :
- بصى يا نيران ، بما إنك مش قادرة تعملى كدا وثابتة على كدا يبقى هنمشى فى طريق تانى ، 90% من اللى بيحصلك دلوقتى أكيد حصل بسبب اللى حصلك قبل فقدان الذاكرة .. أنا مش من تخصصى إنى أرجعلك الذاكرة بس هساعدك باللى أقدر عليه ، أنتِ دلوقتى تغمضى عينيكِ ، عايزك تغمضى وتحسى بالهوا اللى حواليكى ، عايزك تبقى كأنك أنتِ والهوا جزء واحد .. مش سامعة غير صوتى أنا بس .. صوتى الهادى اللى بيقل لحظة ورا لحظة

بدأ صوته يقل بالتدريج ..
وتابع :
- عايزك تتخيلى نفسك فى مكان ضلمة ، أنتِ واقفة لوحدك بس وبتدورى على ضوء ضعيف فى وسط الضلمة دى .. دورى كويس أوى ..بصى فى كل مكان

كانت تنفذ مايقوله لحظة بلحظة وأخيرًا وجدت ضوء خفيف وسط هذا الظلام فصاحت :
- لقيت الضوء
تابع طيف قائلًا :
- اتحركى ناحيته بهدوء ، حاولى توصلى لمصدره
بدأت فى تنفيذ ما يقوله وبدأت تتحرك فى خيالها حتى كادت أن تقترب لكن ظهرت العديد من الكلاب التى تنبح بصوت مخيف وعالٍ فصرخت نيران وفتحت عينيها وهى تقول :
- لالا كلاب ، لاااا

- اهدى اهدى ، مفيش حاجة .. اهدى يا نيران أنتِ هنا مفيش كلاب

نظرت حولها وبدأت تهدأ رويدًا رويدًا فتحدث طيف مرة أخرى :
- عايزك تقوليلى بقى كلاب ايه اللى شوفتيها ؟
نطقت نيران بخوف واضح :
- مش عارفة .. أنا بمجرد ما قربت من النور ده لقيت فجأة كلاب كتير ظهرت وفضلت تهوهو وشكلهم مخيف أوى

ابتسم طيف لأن ما تمناه حدث وبدأت ومضات الذاكرة تعود إلى نيران ، نطق بإبتسامة :
- طيب يا نيران تقدرى تروحى دلوقتى ، حلو أوى الشوط اللى أخدناه النهاردة
ضمت حاجبيها بتعجب :
- شوط ايه يا دكتور اللى أخدناه !؟

- معنى إنك شوفتى كلاب يبقى أخر مشهد شوفتيه قبل فقدان الذاكرة كان كلاب بتهاجمك وده كويس جدًا لو استمرينا على كدا كذا جلسة هتقدرى تسترجعى ذكريات كتيرة ومرة ورا مرة هترجعلك الذاكرة

اعتدلت وهى تنظر إليه بتفكير ثم نطقت :
- طيب ما نكمل يمكن أفتكر كل حاجة
حرك رأسه بالرفض قائلًا:
- مش هينفع ، غلط عليكِ شوفتِ أنتِ صرختِ ازاى لو كملنا مش هتقدرى تستحملى ده غير عقلك اللى مش هيستوعب كم الأحداث اللى هتتراكم عليه وده هيؤذيكى جامد

وقفت بعد أن استوعبت ما قاله وقالت قبل أن تتحرك إلى الباب :
- طيب يا دكتور شكرًا ، هاجى بكرا فى نفس الميعاد ده تمام ولا ايه ؟
ابتسم طيف قائلًا :
- تمام جدا ، ولغاية ما تيجى اتعاملى على طبيعتك معاهم ومتضغطيش على نفسك فى حاجة أنتِ مش عايزاها .. تمام ؟
حركت رأسها بالإيجاب :
- تمام يا دكتور

دلفت إلى داخل الفيلا بعدما تخطت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ، تفاجئت بوالدها بانتظارها وعلى وجهه علامات استفهام فتجاهلته وحاولت صعود الدرج كى تصل إلى غرفتها لكن أوقفها صوته الأجش الغاضب:
- كنتِ فين لغاية دلوقتى

التفت لتقول بهدوء شديد :
- كنت عند الدكتور
ضم أمجد حاجبيه ليقول متعجبًا :
- دكتور !! دكتور ايه ؟
تابعت نيران بنفس هدوئها وثباتها :
- الدكتور النفسى بتاعى
- من امتى وأنتِ بتروحى لدكتور نفسى ؟
ابتسمت ابتسامة ساخرة قبل أن تقول :
- من ساعة ما صحيت لقيت نفسى وسط ناس ماعرفهمش وبيقولوا إنهم أهلى ، من ساعة ما قلتولى إنى فقدت الذاكرة روحت لكذا دكتور والنهاردة دكتور جديد

ازداد غضبه ونطق قائلاً :
- أنتِ بتتكلمى كدا ليه؟
حركت رأسها بعشوائية لتقول :
- ماله كلامى !! لازم أنحنى وأنا بتكلم ولا ايه مش واخدة بالى
كاد أن يصفعها لكنه تمالك نفسه فى اللحظات الأخيرة فهى لم تخطئ فى شىء .. هى فقط لا تتذكر أيام الماضى حتى تتحدث إليه باحترام وتعامله كأب
امتص غضبه وأردف بهدوء :
- اطلعى على أوضتك

ابتسمت له والتفت وهى تقول :
- كنت طالعة
قالتها ببرود شديد ثم صعدت إلى الأعلى وتوجهت إلى غرفتها لتتفاجئ بشقيقها الأصغر بانتظارها
ضمت نيران حاجبيها بتعجب قائلة :
- ذاخر ؟ ايه اللى مقعدك هنا ؟

ابتسم ذاخر وأشار إليها بالجلوس فجلست ، بدأ حديثه قائلًا :
- أنا عارف إنك شايفه إن كل اللى فى البيت غريب .. ده طبيعى أنا لو كنت مكانك كنت هبقى كدا ، إنك تصحى مش فاكرة حاجة خالص وتكتشفى إن ليكِ أهل وعيلة وكله بيعاملك على أساس ماضيكِ وأنتِ مش فاكرة حاجة دى حاجة صعبة أوى حتى لو عدى سنين .. أيوة عدى سنة بس أنتِ برضه صعب عليكِ وأنا مش زيهم واخد منك جنب وبتجنبك .. أنا عايز أقولك إنى مش أخوكى الصغير بس .. أنا سندك وأى حاجة هتطلبيها هنفذها مهما كانت ، أنا عمرى ما هبقى زيهم من ناحيتك .. أنا جنبك حتى لو أنتِ حسانى غريب

ابتسمت نيران لتقول بحب :
- أنت عارف يا ذاخر ، أنت الوحيد اللى حساك فعلا أخويا وواثقة مليون فى المية إنى زمان كنت بحبك أوى وبعتمد عليك
ابتسم ثم نهض وربت على كتفها وهو يقول :
- تصبحى على خير
ورحل على الفور

- اهدأ على البنت شوية يا أمجد ، اللى هى فيه صعب برضه
رفع يده قبل أن يقول :
- أهدأ ايه أكتر من كدا ! كنت هضربها النهاردة بس لحقت نفسى فى آخر ثانية لما افتكرت اللى هى فيه بس برضه عدى سنة ازاى كل ده متعودتش على الأمر الواقع ده ؟

حركت أنهار رأسها بالنفى :
- لا متعودتش بالعكس دى حالتها بتسوء أكتر وحكاية إنها تدور على دكتور نفسى كويس حلو جدًا وهيساعدها فى إنها تبقى كويسة
نظر إلى زوجته بحزن قائلًا :
- تفتكرى ؟

- أيوة أفتكر .. نيران محتاجة لدكتور نفسى يساعدها بس اللى مخوفنى بجد هو يوم ما يرجعلها الذاكرة .. هنرجع لنقطة الصفر
أغلق عينيه وهو يقول :
- ساعتها ربنا يحلها من عنده

تحرك بحذر شديد تجاه هذا المنزل المهجور حاملًا مسدس بيده وخلفه الكثير من رجال الشرطة ، أشار إليهم بالوقوف ثم أشار إلى رجلين ليتقدما معه .. تقدم ومعه الرجلين وركل الباب بقدمه ثم أشار إلى باقى رجال الشرطة بالتقدم ، تقدم بضع خطوات إلى ساحة المنزل وباقى رجال الشرطة ينظرون فى الجهات الاخرى بينما يسيرون ، ظلوا يتحركون فى جميع أدوار المنزل ويداهمون منازله المهجورة حتى وقف الرائد  رمّاح  ووضع سلاحه فى مخمده ليقول بغضب :
- هربوا .. أكيد في حد بلغهم أكيييد

جاء النقيب فهد من خلفه ليقول :
- مفيش حاجة فى الدور اللى تحت يا باشا
هز رأسه وهو يقول :
- تمام بلغ بانسحاب القوة

عاد إلى منزله المكون من ثلاث طوابق فى أحد الأحياء المتوسطة بعدما شاهد المباراة مع صديقه المقرب مازن .. كان المنزل عبارة عن ثلاثة طوابق وكان الطابق الاول للأب أيمن ضياء والأم أسماء مدحت والطابق الثانى لشقيقته الكبرى تنة وشقيقته الصغرى رنة والطابق الثالث لطيف ، يجتمعون طوال اليوم فى الطابق الأول وعند الخلود إلى النوم يذهب كل منهم إلى الطابق الخاص به ...

عاد إلى المنزل وصعد الدرج ليتجه إلى الطابق الخاص به إلا أن أوقفته والدته قائلة :
- ايه يا طيف اتأخرت كدا ليه؟

ابتسم طيف وتحدث وهو ينزل إلى الأسفل مرة أخرى :
- اتفرجت على الماتش مع مازن ولعبنا شوية ، قليلى صحيح في عشا ؟علشان أنا جعان جدًا
هزت رأسها بالإيجاب لتقول :
- أيوة الاكل فوق عندك فى الشقة ، اطلع غير هدومك كدا وكل ونام علشان شغلك بكرا

ابتسم طيف قائلًا :
- حاضر يا ماما ، تصبحى على خير
- وأنتَ من أهل الخير يا حبيبى

كانت أمه رغم كبره تعامله كأنه طفل صغير وكان يسعد بذلك كثيرًا بسبب عشقه الشديد لطفولته ...
تحرك إلى الأعلى لكنه وقف أمام شقة شقيقتيه لأنه تفاجئ بأن باب الشقة شبه مفتوح ، وضع يده على الباب ونظر إلى الداخل فظهرت تنّة وصرخت بوجهه فصرخ طيف مفزوعًا ثم دفعها وهو يقول بغضب :
- منك لله يا شيخة قطعت الخلف

ضحكت تنّة بصوت عالٍ لتقول :
-I'm so sorry يا طيف بس أنا مراهنة رنّة بإنى أخضك وصورتها فيديو علشان لما تصحى أوريهالها ومايمنعش إنى أشيرها وأكسب فولورز على حسابك

ابتسم ابتسامة واسعة قبل أن يقول بثقة وهدوء :
- شكلك نسيتِ إن الراوتر معايا وأنا اللى بغير الباس بتاعه وهيتخرب بيتك على الباقات يابنت أسماء

أسرعت لتقول :
- ايه ده يا طيف ده أنا بهزر معاك ، أنتَ تعرف عنى كدا برضه

نظر إليها بنصف عين قائلًا :
- أيوة للأسف أعرف .. يلا هطلع بقى علشان جعان أكل ونوم وخشى نامى يا أختى يا كبيرة يا تافهة

ضحكت قائلة :
- مين اللى بيتكلم !! طيف الطفل ؟ أنا أول مرة أشوف طفل بيتكلم

نظر إليها نظرة خالية من المشاعر ونطق قائلًا :
- الطفل هيحترم أخته الكبيرة وهيطلع ينام ، كلمة زيادة هيبقى خبر عاجل شاهد أخ يقتل أخته الكبرى منور كل الجرايد بكرا

تراجعت تنّة إلى الداخل وهى تقول مازحة :
- لا وعلى ايه ، تصبح على خير يا دكتور طفل
ألقت كلمتها وأسرعت بغلق الباب قبل أن يقترب منها ، خبط بيده على يده الأخرى وصعد إلى الأعلى

كانت جملة الطبيب طيف تتردد فى رأسها
 معنى إنك شوفتِ كلاب يبقى آخر مشهد شوفتيه قبل فقدان الذاكرة كان كلاب بتهاجمك
بقيت تفكر وتفكر وتتحدث إلى نفسها قائلة :
- ياترى ايه الكلاب اللى هاجمتنى دى !! وهل الكلاب دى سبب فقدانى الذاكرة ؟ طب ليه مش عايزين يقولولى هنا الحقيقة ! أنا لازم أفتكر كل حاجة بس هفتكر ازاى ازااى !!
أغلقت عينيها وحاولت أن تتذكر لكنها لم تستطع فأحكمت إغلاق عينيها وحاولت مرة أخرى التذكر وكأنها تجبر عقلها على التذكر حتى نجحت بالفعل ...
ظهرت ومضات سريعة حيث كانت تركض بسرعة شديدة وتنظر خلفها لتجد أكثر من كلبين يركضون خلفها ، ومضات سريعة تظهر ثم تختفى من جديد حتى اختفت تمامًا فحاولت مرة أخرى لكن تلك المرة أصابها صداع شديد فأمسكت برأسها وهى تتألم ثم فتحت عينيها وقالت
- ياترى ايه الكلاب دى ... أنا لازم أفتكر ، مش هفضل عايشة غريبة كدا ... لازم أفتكر
ظلت تحدث نفسها وتفكر لكن أرهقها التفكير وغرقت فى النوم

كان الجو عاصفًا وشديد البرودة حيث كان الطفل نور يجلس بشرفة المنزل بعدما عاقبته زوجة أبيه نعمة بأن يبيت فى هذا الجو البارد وأغلقت باب الشرفة جيدًا ، كان الطفل يجلس ويضم قدميه ويضع رأسه بينهما ويرتجف من شدة البرد ... أخذت دموعه تتساقط .. كان جسده الضعيف لا يتحمل هذا البرد القارس المصاحب لسقوط الأمطار ، ظل الطفل على هذه الحالة حتى ضعف نبضه وبدأت أنفاسه تهدأ وابتسم عندما وجد والدته أمام عينيه تقترب منه بهدوء وعلى وجهها ابتسامة حب وما إن اقتربت منه حتى ضمته إلى صدرها وهنا شعر نور بالدفء وانقطعت أنفاسه لتصبح تلك الابتسامة التى تزين وجهه هى آخر تعابير وجهه ...

لحد هنا الهدوء النسبى راح والحلقة الجاية بداية عواميد الاكشن وللمرة التانية الرواية يعتبر بدايتها من الحلقة الثامنة...
رواية بنت القلب للكاتب عبد الرحمن أحمد الفصل الثالث

أشرقت شمس يوم جديد على طرقات الباب فأسرعت "كريمة" والدة مازن لتفتح الباب فوجدت "نامى"
- نامى حبيبتى اتفضلى
دلفت نامى ثم نظرت إلى كريمة قائلة :
- ازيك يا ماما عاملة ايه؟
ابتسمت كريمة قائلة :
- الحمدلله يا حبيبتى خشى أنتِ واقفة ليه
اختفت ابتسامتها لتقول :
- معلش هو مازن فين ؟

- جوا فى أوضته .. صحى خد دش وبيغير هدومه جوا علشان يروح الشغل
ابتسمت مرة أخرى لتقول :
- طيب ممكن أدخله؟
- طبعا يا حبيبتى ادخلى
أسرعت نامى وطرقت باب الغرفة ليأتى صوت مازن من الداخل :
- ادخل
فتحت نامى الباب ودلفت إلى داخل الغرفة فألتفت مازن ليجدها أمامه فنظر إلى الجهة الأخرى ليكمل ما يفعله فنطقت نامى بهدوء قائلة :
- أنا أسفة ، أنا عارفة إنى غلطانة وأوعدك متتكررش تانى
نظر إليها بعتاب ليقول :
- اللى عملتيه ده مستفز ويعصب ، ليه الخلق كلها تعرف الكلام اللى بينى وبينك !! عايزة ضحك وهزار وتبقى أشهر واحدة فى الجروب على حساب خطوبتنا وكلامنا مع بعض ؟

هربت دمعة من عينيها قبل أن تقول :
- والله بسبب الفراغ اللى أنا فيه بس عرفت إن ده غلط خلاص ومش هتتكرر تانى وسيبت الجروب كمان ، ممكن تسامحنى ومتزعلش بقى ؟
اقترب منها ليقول بحب :
- طيب يا ستى طالما مفيش بسبسة ومش هتعملى كدا تانى يبقى خلاص مش زعلان .. سيبك بقى من كل ده .. أنتِ وحشتينى الأسبوع ده
ابتسمت نامى لتقول بخجل :
- وأنتَ كمان
- طيب ما تجيبى قُبلة بالمناسبة دى بقى
اختفت إبتسامتها لتقول بصرامة :
- اتلم.

لوى شفتيه ليقول :
- حاضر ياستى هتلم ، هانت كلها كام شهر ونتجوز
ضحكت لتقول مازحة :
- كام سنة قصدك
ضم حاجبيه قبل أن يقول :
- كام سنة ؟ ليه هستناكى لما تتمى 30 سنة ولا ايه يا قلبى ؟
حركت رأسها لتقول بهدوء :
- كلما كنت أسرع فى إنجاز كل شىء كلما أسرعت فى أن تتزوجنى
نظر مازن إلى ساعته ليصرخ قائلًا :
- كلما تأخرت عن الشغل كلما اتخصم منى فلوس ، وسعى يخربيتك

فاقت نيران على صوت طرقات باب غرفتها فقالت بصوت شبه نائم :
- ادخل ...
دلفت شقيقتها الكبرى "نيسان" واقتربت من سريرها وهى تقول :
- ايه يا نيران أنتِ كل ده نايمة؟ ، الساعة بقت 12 الضهر
فركت فى عينيها بضعف لتقول :
- وايه المشكلة يعنى أنتوا هنا ديوك يعنى بتصحوا تأدنوا الفجر ولا ايه؟
رفعت إحدى حاجبيها لتقول :
- لا مش ديوك يا نونو وقومى يلا خطيبك تحت.

فركت بعينيها مرة أخرى ثم خبطت بيدها على رأسها مرتين لتقول :
- أنا دماغى باظت ولا ايه ؟؟ اللى سمعته ده بجد ولا مقلب من مقالبك
- مقلب ايه يا نيران ، خطيبك رمّاح تحت
اعتدلت لتقول بتعجب :
- هو أنا جالى فقدان ذاكرة تانى ولا ايه !! رماح ابن خالتى يبقى خطيبى ؟ اللى هو ازاى يعنى ومحدش قالى قبل كدا ليه .. ده عدى سنة
جلست شقيقتها لتقول :
- ما هم ماكانوش عايزين يقولوا ليكى غير بعد فترة علشان تستوعبى كل حاجة واحدة واحدة ودلوقتى جه الوقت.

وضعت يدها على وجهها لتقول :
- يارب أنا عملت ايه فى حياتى علشان يطلع رماح الغتت ده خطيبى
أسرعت نيسان لتقول :
- عيب متقوليش على خطيبك كدا وبعدين ده ابن خالتك برضه وظابط اد الدنيا
- ما أنا عارفة إنه ظابط وابن خالتى ياست حمادة هلال أنتِ ... بصى عندى فكرة ، أنا متنازلة ليكِ عنه .. روحى اخطبيه أنتِ
ضمت حاجبيها لتقول بجدية :
- قومى يا نيران يلا وبلاش دلع ، مستنينك تحت.

ثم وقفت ورحلت على الفور ..
بقت نيران مكانها تفكر فى ما سمعته منذ لحظات فحدثت نفسها قائلة :
- هو فيه حد باصصلى فى حياتى!! بابا اللى شبه القرود ده ولا ماما اللى فيها شبه من المعزة اللى شوفتها امبارح ولا نيسان اللى شبه الديك الرومى ولا ذاخر اللى .. لا ذاخر بحبه ... أقوم أخد شاور وأنزل للى مستنينى تحت ده

وصل طيف إلى مكتبه وجلس ثم نظر إلى سقف الغرفة ليقول محدثًا نفسه :
- وبعدين بقى يا طيف هتفضل كدا تقعد باليومين والتلاتة مايجيش مرضى وتفضل قاعد زى قلتك كدا !! طيب أعمل ايه ما أنا اللى اختارت الطريق ده .. لازم يبقى ليا شغل تانى جنب شغلى ده .. على الأقل أحدد نص اليوم بتاع بالليل للعيادة ونص اليوم بتاع الصبح للمشروع التانى ده بس ياترى مشروع ايه بس ...

فتحت باب الشرفة لتجد الطفل "نور" نائم على الأرض فركلته بقدمها قائلة :
- قوم يلا يالا .. قوووم
لم يجيبها نور تلك المرة فلقد رحمه الله من عذابها المستمر له ، انخفضت وأخذت تفيقه لكنه لا يستجيب فانتفضت وركعت جانبه لتسمع نبضات قلبه ، شعرت بالصدمة الشديدة بعدما علمت أنه فقد حياته وأخذت تقول بتوتر وقلق :
- يالهوى هقول لأبوه ايه لما يرجع من السفر؟ ، هتصرف ازاى دلوقتى .. كان لازم يعنى أنيمه فى البرد ده أهو مات ، يارب اعمل ايه بس وأتصرف ازاى !!

نزلت إلى الأسفل لتجلس على الفور دون أن تلقى السلام عليهم فابتسم رماح ونطق قائلًا:
- عاملة ايه دلوقتى يا نيران
ضمت شفتيها لتقول :
- اممم حلوة
قام بعد أن أشار للجميع بتركهم وحدهم فتركه الجميع وجلس بجوارها ليقول مبتسمًا:
- بصى أنا كنت عايز أقولك من زمان بس خفت عليكى من كمية الناس اللى اكتشفتيهم فى حياتك بعد فقدانك الذاكرة .. بس دلوقتى أكيد أنتِ بقيتى أحسن ... احنا مخطوبين لبعض من قبل فقدانك الذاكرة بسنة وكنا بنحب بعض من زمان أوى من واحنا أطفال.

رفعت نيران حاجبيها بتعجب لترد :
- أطفال !! مش عارفة أرد أقول ايه والله بس كل اللى أعرفه إنى مش هعيش حياتى الجديدة على ذكرى حياتى القديمة
ضم رماح حاجبيه متعجبًا ليقول :
- مش فاهم قصدك
ابتسمت لتقول بهدوء شديد :
- أقصد إنى مش هقبل أعيش كدا على ذكريات الماضى وأقبل باللى حصل فى الماضى قبل فقدانى الذاكرة يا إما ترجعلى الذاكرة وأعيش حياة زمان يا إما أعيش حياتى دى على مزاجى .. أظن فهمتنى يا ابن خالتى.

هز رأسه بالإيجاب قائلًا :
- فاهمك يا نيران علشان كدا أنا هسيبك على راحتك وأنتِ مع الوقت هتفهمى كل حاجة
- أنتَ عارف الحاجة الوحيدة اللى عايزة أعرفها ايه ؟ هى إنى ازاى فقدت الذاكرة .. بس أظن كان فيه كلاب كانت بتجرى ورايا قبل ما أفقد الذاكرة ويحصل اللى حصل
تبدلت ملامح وجهه ليقول بقلق :
- كلاب !! أنتِ جبتى الكلام ده منين ..ااا... مفيش حاجة زى دى ، دى كانت حادثة عربية.

ضحكت بصوت عالٍ لتقول :
- شكلك متفق معاهم تخبوا عليا بس على ايه يا سيادة الرائد .. أنا عندى حس بوليسى برضه ومش عارفة ليه مش مطمنة وحاسة إنكم مخبيين مصيبة عنى
حرك رأسه عدة مرات بعشوائية ليقول :
- مصيبة ايه !! أنتِ مكبرة الموضوع أوى ، مفيش حاجة من اللى فى دماغك دى وبعدين سيبك من الدكاترة اللى بتروحيلها دى هيضروكى
وقفت كى تستعد للرحيل وقالت باختصار :
- أنا حرة ، بعد إذنك بقى علشان عندى ميعاد مع الدكتور
تركته قبل أن يتكلم مما جعله فى حيرة وقلق مما سمعه للتو منها...

ارتدت ملابسها وانطلقت بسيارتها فتبعها رماح بسيارته وظل خلفها حتى توقفت وصعدت إحدى العمارات السكنية فخرج هو الآخر من سيارته وتحرك خلفها، اقترب من العمارة ونظر إلى الداخل فهتف حارس العمارة قائلًا :
- ايه يا بيه عايز حاجة ؟
اقترب منه رماح وهو يقول :
- هو فيه دكتور هنا فى العمارة ؟
حرك رأسه بالإيجاب قائلًا :
- أيوة يا بيه دكتور طيف أيمن فى الدور السابع
- طيب تمام شكرًا.

التفت ليرحل لكنه تذكر شىء ما ولابد أن هذا الاسم ليس مجرد صدفة فأسرع إلى الحارس مرة أخرى وهو يقول :
- هو الدكتور اسمه طيف أيمن ضياء ؟
- أيوة يا بيه ابن سيادة اللواء أيمن ضياء
هنا ابتسم رماح ليقول فى نفسه " مش لاقية دكتور غير ابن رئيسى فى الشغل يا نيران ... ربنا يستر لأن كدا الدنيا باظت"

بينما بالأعلى داخل العيادة تجلس أمامه ويتحدثا ..
- ها وبعدين
أكملت حديثها قائلة :
- طبعا اتصدمت لإنى ماكنتش أعرف إنى مخطوبة وجايين بعد سنة يقولولى ولما اتكلمت معاه اتأكدت من شكوكى وهى إنهم كلهم مخبيين عنى حاجة كبيرة معرفش ايه هى وليه مخبيين
ثم أكملت حديثها وقصت عليه حوارها كاملًا مع ابن خالتها وما إن انتهت حتى حرك طيف رأسه وبدأ فى تحليل حديثها
- حلو جدا كلامك وموزون ، وأحسن جملة قلتيها هى إنك هتعيشى حياتك دى بمزاجك وهو ده المطلوب إنك تتقبلى حياتك دلوقتى وتمشيها حسب رغباتك أنتِ .. تنسى الماضى اللى أنتِ المفروض ناسياه ده وتبدأى تبنى حياة جديدة وده تقدم كويس.

حركت رأسها مؤيدة لتردف :
- بس أنا عايزة أفتكر يا دكتور ، مش عايزة أعيش غريبة .. حتى لو بنيت حياة جديدة هبقى وحيدة وسطهم برضه
ابتسم طيف ليقول مازحًا :
- عايزة تفتكرى لمجرد إنك مش عايزة تعيشى غريبة ولا فضول إنك تعرفى الأكشن اللى حصل وخلاكي تفقدى الذاكرة
ابتسمت قائلة :
- الصراحة الاتنين والفضول هيموتنى .. عايزة أعرف مخبيين ايه عنى.

عاد طيف إلى الجدية مرة أخرى فى حديثه ليقول :
- متتشوقيش كدا إنك تعرفى لأنك متعرفيش اللى حصل ايه .. ممكن اللى حصل ده لما تعرفيه تتصدمى صدمة عمرك وتتمنى ألف مرة إنك متعرفيش وإنك تفضلى فاقدة الذاكرة ... خلاصة اللى عايز أقوله إنك لازم تمشى خطوة خطوة متستعجليش علشان متتصدميش
حركت رأسها قبل أن تقول :
- حاضر يا دكتور ، أنتَ عارف أنا روحت لدكاترة كتير أوى كل دكتور كلامه كان زى التانى لكن أنتَ الوحيد اللى كلامك بيريحنى شوية وبحسه موزون علشان كدا قررت أكمل معاك.

ضحك طيف ليقول مازحًا :
- حصلنا الشرف يا ست نيران و بالمناسبة صحيح أنتِ أول مريضة تستمر معايا .. كل مريضة كانت بتحضر جلسة ومتجيش تانى
ابتسمت له قائلة :
- طيب حلو أوى بس بلاش مريضة دى والنبى أحسن بتحسسنى إنى مجنونة .. قول زبونة بتنجانة أى حاجة تانية
- ولا تزعلى نفسك يا ست بتنجانة .. قصدى نيران
ضحكت نيران فضحك طيف هو الآخر فى محاولة منه لتخفيف الضغط عنها.

عاد الأب"وائل الأيمن" على الفور من سفره بعدما أخبرته زوجته بموت طفله الصغير وانطلق إلى غرفته ، فتح الباب ببطء ليظهر طفله على السرير وجسده مغطى كاملًا فاقترب ببطء شديد حتى جلس على السرير وكشف وجهه بحذر ، ظهر وجه طفله البرىء فاخفض رأسه وأجهش بالبكاء وظل صوته يعلو ولا يتوقف حتى دلفت زوجته"نعمة" وعلى وجهها علامات حزن كاذبة ودموع مصطنعة واقتربت منه بهدوء وربتت على كتفه لتهدئه فرفع رأسه ونظر إليها باستفسار قائلًا :
- حصل ايه ؟

أتقنت دور الحزن وبدأت فى سرد قصتها الكاذبة
- صحيت من النوم عادى الصبح وخبطت على باب أوضته علشان يصحى لكن ماسمعتش رد فقلقت وفتحت الباب ودخلت أصحيه واتفاجئت إنه مابيصحاش .. من الصدمة مابقتش عارفة أعمل ايه وأول ما تمالكت أعصابى كلمتك على طول
- اخرجى طيب سيبينى معاه شوية
ربتت على كتفه ونطقت قبل أن تتحرك إلى الخارج :
- طيب يا حبيبى.

خرجت وتركته مع طفله الصغير وحدهما ، عاود النظر إلى طفله بعينان دامعتان وهو يقول :
- أسف يا نور ، أسف علشان سيبتك معاها لوحدك كان عندى إحساس إنها هتؤذيك لكن قتلتك .. أنا واثق مليون فى المية إنها هى اللى عملت فيك كدا زى ما واثق إن ده عقاب من ربنا ليا علشان اللى عملته فى حياتى .. أنا أسف يا نور ، أنا اللى قتلتك مش هى .. قتلتك لما اتجوزت واحدة زيها وسيبتك معاها تعذبك وأنتَ تشتكى وماصدقكش .. قتلتك لما روحت أشتغل فى المخدرات وأمك الطيبة أم قلب طيب ماتت بسببى علشان ماسلمتش بضاعة فى وقتها ، قتلتك لما سيبتك لوحدك وفضلت ماشى فى الطريق ده كل همى أكبر وفعلا كبرت بس خسرتك ... سلم على أمك وقلها إنى قريب أوى هاجى بس بعد ما أدوقهم كلهم من نفس الكأس ، بعد ما أحرق دمهم وأقتلهم واحد واحد .. بعد ما أقلبها نار جهنم عليهم كلهم ، أشوف وشك بخير يا نور.

وقف وائل وسحب مسدسه ثم تحرك للخارج بخطوات ثابتة ونظر إلى زوجته بغضب ورفع سلاحه فصاحت نعمة بخوف:
- ايه ده يا وائل هتعمل ايه؟
لم يجيبها بل ضغط على الزناد لتنطلق الرصاصة من مسدسه وتخترق جسدها على الفور
صاح غاضبًا :
- دى علشان قتلتيه
ثم أطلق رصاصة أخرى وصاح :
- ودى علشان عذبتيه
ثم اطلق رصاصة أخيرة
- ودى علشان حرقتى قلبى عليه
التفت لينظر من الخارج إلى طفله البرىء وصاح قائلًا بحرقة :
- هقلبها نار جهنم عليهم .. هقلبها نار جهنم عليهم يا نور.

- مش عارف والله يا باشا حصل ايه ، البيت كان مهجور كأن حد بلغهم بإننا جايين
صاح اللواء أيمن بغضب شديد :
- أنا مش هينفع معايا الشغل ده يا رماح ، أنتَ مش شايف شغلك كويس الفترة الأخيرة ودى تالت عملية تفشل .. لو مش اد الشغل اقعد فى البيت وحد مكانك يمسك القضية
نظر رماح إلى الأسفل ونطق قائلًا :
- أوعد سعادتك إن المرة الجاية مش هيفلتوا من أيدى ومش هتتكرر تانى
جلس اللواء أيمن على مكتبه مرة أخرى ليقول :
- طيب يا رماح أما نشوف أخرتها ، اتفضل.

أدى التحية ليقول قبل أن يخرج مسرعًا:
- تمام يا باشا
خرج مسرعًا ليظهر الرائد "رامى" متحدثًا:
- رماح رايح فين عايزك فى مكتبى
أجابه رماح وهو يتحرك :
- طيب هروح مشوار كدا بسرعة وأجيلك
تعجب رامى من طريقته لكنه أثر عدم التحدث ..

انطلق فى طريقه حتى وصل إلى البرج الذى يعمل به طيف وأوقف سيارته ثم صعد إلى الأعلى ووصل إلى عيادته ثم طرق الباب فجاءه الصوت من الداخل :
- ادخل
دلف الرائد رماح إلى الداخل فوقف طيف وهو يحاول أن يتذكر هذا الوجه الذى سبق وأن رأه من قبل لكنه لم يستطع فمد يده ليصافحه فصافحه الأخير فأشار له طيف بالجلوس وبالفعل جلس رماح فنطق طيف مستفهمًا:
- حضرتك جاى جلسة صح ؟
ابتسم وحرك رأسه بالنفى ليقول :
- لا ، أنا جايلك بخصوص مريضة عندك...
رواية بنت القلب للكاتب عبد الرحمن أحمد الفصل الرابع

دلف الرائد رماح إلى الداخل فوقف طيف وهو يحاول أن يتذكر هذا الوجه الذى سبق وأن رأه من قبل لكنه لم يستطع فمد يده ليصافحه فصافحه الأخير فأشار له طيف بالجلوس وبالفعل جلس رماح فنطق طيف مستفهمًا :
- حضرتك جاى جلسة صح ؟

ابتسم وحرك رأسه بالنفى ليقول :
- لا ، أنا جايلك بخصوص مريضة عندك
ضم طيف حاجبيه ليقول متعجبًا :
- مريضة ؟ حضرتك تقصد مين ؟
- أقصد نيران أمجد السلامونى .. تعرفها طبعا
ابتسم طيف بعدما ربط كافة الخيوط ببعضها :
- طبعًا أعرفها زى ما متأكد إنك تبقى ابن خالتها الرائد رماح .. صح كدا ؟
ضحك رماح بخفة ليقول :
- ما شاء الله هى لحقت حكتلك ؟

رفع كتفيه ليقول :
- زى ما أنتَ عارف دى المريضة بتاعتى وطبيعى تحكيلى كل حاجة علشان أقدر أعالجها .. ماقلتليش حضرتك تؤمرنى بايه وايه سبب الزيارة دى ؟
نظر رماح إلى سقف الغرفة ثم نظر إلى طيف قائلًا :
- أنا جاى أتفق معاك اتفاق
تقدم طيف بجسده ليسند بيده على مكتبه وهو يقول :
- اتفاق ايه ؟
نظر إلى الأسفل وأكمل حديثه :
- إنك متساعدش نيران إن ترجعلها الذاكرة وتكون مجرد دكتور نفسى ليها وبس.

ابتسم طيف وحرك رأسه بعشوائية ليقول :
- ها وبعدين
رفع رماح كتفيه قائلًا :
- بس كدا ، أهم حاجة متساعدهاش فى إنها تفتكر حاجة وبما إنك الدكتور بتاعها تقدر تشيل من دماغها فكرة إنها تفتكر الماضى ده خالص يعنى بالمختصر المفيد عايزك تعالجها نفسيًا لكن تخليها تبعد عن فكرة رجوع الذاكرة دى نهائى وتبلغها المعلومات اللى هقولهالك وبالمقابل اللى أنتَ عايزه ، شوف عايز كام وهيتحطلك المبلغ فى حسابك.

وقف طيف وتحرك وهو ينظر إليه بغضب حتى نطق :
- أنتَ عارف ، أنا بتمنى دلوقتى إنى كنت أوافق على كلام أبويا وأدخل شرطة علشان أرد عليك الرد اللى يليق لكن للأسف مش هرد عليك وهعمل احترام إنك ظابط شرطة وعلى فكرة أنا هساعدها ترجعلها الذاكرة وبعد كلامك ده أنا رغبتى فى إنها تفتكر كل حاجة زادت ، ولحد كدا متعطلش نفسك يا سيادة الرائد.

وقف رماح وعلى وجهه إبتسامة يخفى خلفها براكين من الغضب .. تقدم خطوتين باتجاه طيف قائلًا:
- طيب يا دكتور ، اللى تشوفه
ثم رحل على الفور تاركًا طيف وحده يفكر فيما حدث منذ لحظات قليلة.

عاد طيف إلى مقعده وهو يحدث نفسه ..
- يا ترى وراك ايه يا رماح !! إنك تيجيلى هنا وأنتَ أكيد عارف أنا أبقى ابن مين وتطلب منى طلب زى ده يبقى فيه مصيبة نيران كانت تعرفها قبل فقدانها للذاكرة .. ياترى ايه اللى حصل وايه اللى بيحصل ، أنا لازم أروح لبابا يمكن يعرف حاجة عن الظابط ده.

تحرك طيف بالفعل وسحب مفاتيح سيارته ونزل إلى الأسفل ثم انطلق أخيرًا بسيارته بعدما أحضرها اليوم بعد أكثر من يومين صيانة بسبب حادثة خفيفة .
وصل إلى مديرية أمن القاهرة وصعد إلى مكتب والده ، دلف إلى المكتب بعدما أخبر أمين الشرطة اللواء أيمن برغبة طيف فى الدخول .
ما إن دلف طيف إلى المكتب حتى نطق والده قائلًا :
- اه ما هو أنتَ فاضى بقى علشان تنطلى كل يوم هنا.

ابتسم طيف ليقول بعد جلوسه :
- لا المرة دى جاى علشان عايز أسألك على حاجة
ضم اللواء أيمن حاجبيه سائلًا:
- حاجة ايه ؟
- تعرف الرائد رماح النعمانى
ظهرت علامات الدهشة على وجهه ليقول :
- أيوة رماح ده شغال تحت ايدى بتسأل ليه.

هنا ابتسم طيف ليقول :
- شغال تحت ايدك ؟ قلتلى ، لا أبدًا أصله جالى المكتب من ساعة بالضبط وحاول يرشينى
انتبه والده لحديثه وتقدم بجسده قبل أن يقول :
- يرشيك ؟ أنتَ ! ما تفهمنى بدل ما أنتَ بتنقطنى كدا
اعتدل طيف وبدأ فى سرد ما حدث :
- جتلى مريضة من يومين وفاقدة الذاكرة و ....

سرد طيف القصة كاملة على والده وأنهى كلامه مردفًا :
- وبس بعد ما قلتله كدا مشى وسابنى وجيت علشان أسألك عنه
ظهرت علامات الدهشة على وجهه ليفكر فى ما قاله طيف لكنه أسرع ليقول :
- تجنبه خالص ، دى تلاقيها مشاكل عائلية وأكيد دى مش رشوة هو عايز يحافظ على بنت خالته وممكن اللى حصلها قبل فقدانها الذاكرة صعب وهو مش عايزها تفتكر علشان متتأذيش.

وقف طيف ليستعد إلى الرحيل ثم لفظ جملته الأخيرة :
- وأنا هكمل معاها وأساعدها لأن ده شغلى ومش هسمع كلامه لأنى كدا أفتح بقالة أسهل .. سلام
لم يتحدث اللواء أيمن بل تابع رحيله بنظراته فقط.

خرج طيف من مكتب والده وتابع طريقه فى الرحيل لكنه تفاجئ بالرائد رماح فى طريقه ونظر له بإبتسامة خفيفة فضحك رماح ليقول فى نفسه :
- جاى يشتكى لأبوه .. ده طفل مش دكتور بس دى حاجة كويسة أما نشوف أخرتها معاه
ثم نطق بصوت عالٍ :
- نورت المكان يا دكتور طيف
جاء رده دون أن يلتفت :
- منور بأصحابه.

فى فيلا أمجد السلامونى ،،

- ها يا نيران قلتى ايه؟
حركت رأسها بالرفض قائلة :
- لا مش موافقة .. ماليش فى جو الحفلات ده ، ناس منافقة بتيجى تنافق وتحتفل وناس تانية معرفهمش ..لا لا
وضعت يدها على كفيها لتقول بهدوء :
- يا حبيبتى ده عيد ميلادك ، وأنا نفسى أعملك حفلة حلوة تخرجك من المود اللى أنتِ فيه ده .. وافقى علشان خاطرى ، عيد ميلادك كمان يومين خلينى ألحق أجهز الحفلة.

أمسكت رأسها بسبب ذلك الصداع الذى يلازمها ثم أجابت والدتها :
- طيب يا ماما موافقة
ابتسمت والدتها وقالت بسعادة بالغة :
- كنت متأكدة ، كل سنة وأنتِ طيبة يا حبيبة قلبى
ثم رحلت وبقيت نيران تفرك بفروة رأسها وتتذكر ما حدث اليوم فى جلسة الطبيب طيف ،،

- حاولى ترجعى لنفس المكان تانى متخافيش من الكلاب ، اتحركى مابينهم عادى متخافيش
نفذت ما قاله وبدأت تسير بحذر شديد وحولها نباح كثيف لكنها تماسكت وبدأت تعبر إلى الجهة الأخرى لتظهر فيلا ضخمة منيرة يجاورها من اليسار حديقة كبيرة يتوسطها الكثير من الأشجار المثمرة ويجاورها من اليمين ملعب تنس وأمامها حمام سباحة كبير .. بدأت تتحرك فى حذر حتى ظهر صوت ضخم فى رأسها ، متسيبهاش تعيش .. اقتلها ، بقولك اقتلها .. اثبت عندك متحاولش تدافع عنها يا إما هتحصلها هى كمان .. سيب الكلاب عليها
صرخت نيران بصوت عالٍ فوقف طيف ليحاول تهدئتها ...

فاقت من ذكرياتها على هذا الصداع الذى لا يترك رأسها منذ ذلك الصباح ولا تتحمله ، أسرعت إلى هاتفها وأحضرت رقم "طيف" ثم ضغطت على زر الاتصال

ما هى إلا ثوانٍ حتى أجابها طيف قائلًا باستغراب:
- نيران !! ازيك .. فيه حاجة ولا ايه؟
أجابته نيران بتألم شديد :
- الحقنى يا دكتور أنا من ساعة ما مشيت من عندك وأنا عندى صداع رهيب .. مش قادرة خالص وأخدت مسكن لكن مفيش فايدة
- طيب اهدى بس ، تعرفى تيجيلى العيادة دلوقتى ؟
أجابته على الفور :
- أيوة أعرف ، مسافة السكة وأبقى عندك

كانت الأجواء ممطرة وصوت الرعد يشق صمت الليل لكن أسرعت نيران إلى سيارتها وانطلقت فى طريقها إلى طيف وبعد دقائق قليلة وصلت أخيرًا إلى العيادة وما إن وصلت حتى فقدت الوعى قبل أن تطرق باب المكتب ...

فى مكتب الطبيب طيف ،،

فتحت عينيها بصعوبة على ذلك الصوت الذى يأتى من بعيد ..
- نيران .. نيران .. نيران
بدأت تتعرف على الصوت بعد وقت قصير وظهر وجه طيف أمامها وهو ينادى عليها محاولًا إفاقتها فتحدثت بضعف :
- أنتَ مين
ضم طيف حاجبيه بتعجب شديد قائلًا :
- نعم !! فوقى كدا يا نيران .. أنا طيف الدكتور بتاعك.

بدأت تتذكر وتستوعب ببطء ما هى فيه واعتدلت فنطق طيف بعد أن التقط أنفاسه :
- الحمدلله إنك بقيتى كويسة وقعتِ قلبى
تحدثت نيران بضعف :
- حصل ايه ! أنا كل اللى فاكراه إنى كلمتك وجيت على هنا ولسة هخبط على الباب ماحستش بنفسى
ابتسم طيف ليقول مازحًا :
- لقيت صوت حد وقع على الباب برا قمت أفتح لقيتك بتمسى عليا ونايمة على الأرض روحت شايلك وفضلت أفوق فيكى واديكى اهو .. خلينا فى المهم الصداع راح؟
حركت رأسها بالرفض قائلة :
- لا لسة ودلوقتى عمال يزيد أهو ومش قادرة خالص.

أحضر طيف الكرسى الخاص به ثم جلس أمامها ونطق قائلًا :
- نامى واستريحى خالص عايزك تبصى للسقف
نفذت ما أخبرها به فتابع :
- غمضى عينيكِ .. عايزك تركزى مع صوت الرعد والمطر ده وتحاولى تربطيه مع أحداث حصلت قبل كدا ، ركزى كويس أوى

أغلقت عينيها وبدأت تنصت لصوت المطر الغزير وصوت الرعد الذى يقتحم المكان كل دقيقة ، تنفست بهدوء شديد ، كانت الأجواء صامتة ماعدا صوت المطر الغزير وصوت الرعد الذى يرعبها كثيرًا ، مرت ومضات من الذاكرة أمامها كأنها تحدث الان ، كانت تتحرك بسرعة شديدة تحت الأمطار الغزيرة بعد أن خرجت من سيارتها واتجهت إلى تلك الفيلا التى رأتها من قبل لكن تلك المرة كانت سعيدة وعلى وجهها إبتسامة رضا ...تتحرك إلى الفيلا هربًا من ضوء البرق المخيف وصوت الرعد الذى يرعبها ، وصلت أخيرًا إلى الباب لتتفاجئ بأنه مفتوح فتحركت ببطء وحذر إلى الداخل وتركت صندوق صغير على المنضدة ثم تابعت تحركها للداخل حتى سمعت ذلك الصوت.

- التسليم مش هينفع فى المكان ده ، الشرطة مراقبة الدنيا كويس أوى واللواء أيمن ضياء هو اللى متابع القضية دى بنفسه ومشغل كذا ظابط تحت ايده علشان يتابع كل صغيرة وكبيرة ومن ساعة العملية اللى فاتت والواد اللى اتمسك وهو مركز اوى.

- الحل إنكم تستنوا دلوقتى لغاية ما أشوف صرفة ، المخدرات مش لازم تدخل مصر غير لما أديكوا الضوء الأخضر علشان العملية تتم بنجاح خصوصًا إن الكمية المرة دى كبيرة جدًا.

كانت تستمع فى صدمة حتى خرج أحد الرجال من المكتب ثم لمحها فأمسكها على الفور فصرخت بصوت عالٍ ... وصرخت أيضا فى الحقيقة بصوت عالٍ فاقترب منها طيف وأيقظها على الفور ثم نظر إليها قائلًا :
- اهدى أنتِ فى أمان .. خدى اشربى واحكيلى افتكرتِ ايه.

أخذت منه الكوب وارتشفت المياه ثم بدأت فى سرد ما تذكرته تمامًا والحديث الذى سمعته فى تلك الغرفة...

شعر طيف بالصدمة لما سمعه للتو منها ونطق متسائلًا :
- متأكدة إنك سمعتى اسم اللواء أيمن ضياء ؟
حركت رأسها بالإيجاب لتقول :
- أيوة متأكدة وكان بيحذر منه كأنه يعرفه كويس أوى
وقف طيف وأخذ يتحرك ذهابًا وإيابًا دون أن يتحدث فصاحت نيران :
- كفاية خيلتنى بحركتك دى ، من ساعة ما حكيتلك وأنتَ متوتر ليه كدا ؟
نظر إليها طيف ليجيبها قائلًا :
- علشان اللواء أيمن ضياء ده يبقى أبويا فهمتِ ايه اللى موترنى ؟

ضمت حاجبيها لتقول بصدمة :
- يبقى أبوك ؟
- أيوة أبويا ، مش عارف فى ايه .. حاسس بمصيبة بتحصل او حصلت ولسة بتحصل لغاية دلوقتى
ثم اقترب من نيران وتابع قائلًا :
- متعرفيش الفيلا دى ؟ مشوفتيهاش قبل كدا ؟
حركت رأسها بالنفى :
- لا مشوفتهاش قبل كدا خالص
وقف طيف مرة أخرى وأخذ يتحرك ذهابًا وإيابًا حتى تذكر شىء فأسرع إلى هاتفه وأحضر رقم والده على الفور وقام بالاتصال به ...

أجابه والده
- طيف ! أنتَ فين ؟
أسرع طيف ليقول :
- بابا أنا عايز أعرف عنوان الرائد رماح النعمانى
- نعم ؟ عايز عنوانه ليه ؟
تابع طيف :
- هبقى أقولك بعدين بس هات عنوانه دلوقتى ضرورى
- طيب طيب هبعتلك عنوان الفيلا بتاعته فى رسالة
أردف طيف بإيجاز :
- طيب تمام.

أنهى المكالمة وانتظر رسالة والده وماهى إلا ثوانٍ حتى وصلته رسالة بالعنوان فأسرع إلى نيران قائلًا :
- يلا يا نيران
حركت رأسها بتعجب قائلة :
- يلا ايه!! أنا مش فاهمة حاجة
أمسك يدها ليسحبها وهو يقول :
- هتفهمى ، يلا بينا

انطلق طيف ومعه نيران وتحرك تحت الأمطار متجهًا إلى سيارته ، نظر خلفه ليجد نيران تتقدم ببطء وتحتضن جسدها بيديها فى محاولة لتدفئته من البرد الشديد فخلع الجاكيت الخاص به وعاد ليضعه عليها ثم تقدم إلى سيارته وأشار إليها قائلاً :
- اركبى
هتفت نيران بنبرة هادئة :
- أركب ليه ما تفهمنى ؟
- هتفهمى كل حاجة بس اركبى دلوقتى
استجابت لطلبه ودلفت إلى السيارة فأدار طيف المحرك وانطلق مسرعًا...

طرق باب غرفة شقيقته فهتفت من الداخل :
- ادخل !
دلف ذاخر إلى الغرفة وجلس على طرف سريرها ثم نظر إليها قائلًا بجدية واضحة :
- نيسان أنا عايز أسألك سؤال
ضمت حاجبيها لتقول بتعجب :
- طالما بدأت كلام باسمى يبقى في مصيبة ، انطق يا وش الخير
لم يتأثر بكلامها بل تابع بنفس لهجته الجادة :
- هى نيران فقدت الذاكرة ازاى وجاوبينى بالحقيقة علشان أنا عارف إنكم بتقولوا كدا علشان مخبيين حاجة كبيرة.

حاولت نيسان تغيير مجرى الحديث وقالت مازحة :
- اااه وبعدين يا ذاخر ، أنتَ قلتلى إنك داخل كلية الشرطة بعد ما تخلص السنة دى صح ؟ بتطلع مهارات الضابط من دلوقتى ما شاء الله عليك بس والله تنفع
هتف ذاخر بجدية شديدة :
- نيسان متحاوليش تتوهى الموضوع وجاوبينى ، أنا فاكر يوم ما نيران مشيت ليلة الحادثة كانت عندك فى الأوضة وخرجت على طول ولما سألتها رايحة فين كانت ماسكة علبة هدايا فى ايدها وكانت فرحانة ... وقالتلى هتقولى لما تيجى علشان تلحق وركبت عربيتها ومشيت ، بعدها بكذا ساعة جالنا تليفون إنها عملت حادثة وفى المستشفى لكن اللى يحير العقل بقى إنها عملت حادثة لكن عربيتها سليمة .. تخيلى يعنى مش عارفين تكدبوا صح ، قلتوا ليها إنكم صلحتوا العربية فى حين إن العربية كانت تانى يوم قدام الفيلا سليمة .. ها هتقولى ولا لا.

ابتسمت إبتسامة ساخرة لترد بإعجاب :
- لا ما شاء الله عليك مركز ، طيب هقولك يا ذاخر بس بعد ما توعدنى إنك مش هتقول لحد نهائى خصوصًا نيران
أردف مسرعًا :
- أوعدك
حركت رأسها بالرفض قائلة :
- لا لا وعدك مش كافى ، أنا ماضمنش إنك تروح تقولها خصوصًا إنها مقربة منك أوى والوحيد اللى بتتكلم معاه فى الفيلا هنا.

- عايزانى أعمل ايه طيب علشان تصدقى إنى مش هقولها حاجة
ابتسمت قائلة :
- هتسجل ريكورد محترم كدا تقول فيه إنك مسئول عن أى حاجة تعرفها نيران عن اللى حصل ليلة الحادثة علشان بمجرد ما نيران تعرف كل حاجة هقولهالك التسجيل هيروح لبابا وأنتَ طبعًا عارف بابا وشدة بابا ، ممكن يمنعك من دخول كلية الشرطة ويحرمك من حلمك الوحيد ... ها قلت ايه
فكر جيدًا فى حديث شقيقته ثم نطق مترددًا :
- امممم .... موافق ، هاتى موبايلك

فى سيارة طيف ،،

كان يقود بسرعة كبيرة لم يسبق له وأن سار بتلك السرعة مما أرعب نيران التى أسرعت تقول بخوف :
- هدئ السرعة شوية ، الدنيا مطر وممكن نعمل حادثة
نظر إليها طيف ثم عاد لينظر إلى الطريق وهو يقول :
- خلاص وصلنا اهو.

ثم تحرك بسيارته إلى اليسار وسار فى ذلك الطريق الطويل وما إن وصل إلى منتصفه حتى تحرك إلى اليمين ثم وقف بسيارته أمام فيلا ضخمة ... نظر إلى نيران التى كانت مترددة وخائفة فى آن واحد ثم نطق قائلاً :
- يلا بينا
فتح باب سيارته ثم ترجل منها فاتبعته نيران بخوف شديد ، سارت حتى وقفت إلى جواره ورفعت نظرها لترى تلك الفيلا ...

نظر إليها طيف وهو يقول بجدية :
- هى دى الفيلا يا نيران !!!
رواية بنت القلب للكاتب عبد الرحمن أحمد الفصل الخامس

تحركت خطوتين إلى الأمام ونظرها مسلط على تلك الفيلا الضخمة لكنها توقفت والتفتت لتقول بحزن :
- لا مش هى دى
اتسعت عيناه وقال بصدمة واضحة :
- متأكدة إن مش دى الفيلا اللى افتكرتيها !!؟
حركت رأسها بالنفى لتقول بهدوء :
- لا مش هى يا دكتور .. للأسف.

أسرعت رنّة إلى شقيقتها وهى تقول خائفة :
- أنا بخاف من صوت الرعد أوى
ابتسمت تنّة قائلة :
- ايه يا بنتى أنتِ هتعملى زى الأطفال ده أنتِ فى ثانوية عامة يعنى شحطة وكبيرة
حركت رأسها بالنفى لتقول باصرار :
- لا ماليش دعوة أنا هنام جنبك النهاردة ،أنا بخاف أوى من صوت الرعد والمطر ده وبتخيل تخيلات مرعبة
ضحكت على سذاجة شقيقتها ثم أردفت :
- خلاص ياستى تعالى نامى.

انطلقت رنّة وقفزت على السرير كالأطفال ثم سحبت الغطاء لتدفئ نفسها من شدة البرد فلاحظت أن شقيقتها تفكر فى شىء ما فأردفت :
- مالك يا تنّة ايه اللى مصحيكى لغاية دلوقتى ومالك قلقانة وسرحانة كدا ليه ؟
أجابتها بقلق واضح يسيطر على وجهها :
- طيف لسة مجاش والساعة دلوقتى 12 وماما تحت قلقانة عليه وبابا كلمه مرة وبيتصل بيه تانى مابيردش
اعتدلت رنّة ونظرت إلى شقيقتها بعد أن سيطر القلق عليها هى الأخرى وأردفت :
- أكيد مع مازن صاحبه أو فى الشغل ، إن شاء الله يكون بخير
- يارب .. ربنا يستر.

وصل طيف إلى مقر العيادة الخاصة به مرة أخرى ثم أوقف سيارته وظل شاردًا لبضع ثوانٍ فنظرت إليه نيران بحيرة قائلة :
- أنا عايزة أعرف مالك واخد الموضوع على أعصابك كدا
حاول أن يخفف من قلقه وتوتره وأجابها وهو ينظر أمامه مرددًا:
- معنى إن اسم بابا اتقال يبقى في خطر عليه ، أكيد المكان اللى روحتيه ده يبقى مكان خاص برماح لأنك بتقولى كنتِ شايلة علبة هدايا صغيرة وساعتها هو كان خطيبك معنى كدا إنك أكيد كنتِ مودياها له بس فين المكان ده !! هو عنده فيلا تانية ؟

حركت رأسها بعدم معرفة قائلة :
- معرفش .. أنا ماكنتش أعرف حاجة عنه غير إنه ابن خالتى بس
نظر إليها ثم عاود النظر أمامه مرة أخرى وهو يقول :
- انزلى أنتِ اركبى عربيتك وروحى زمانهم قلقانين عليكِ ، الساعة دلوقتى عدت 12.

حركت رأسها دون أن تتفوه بكلمة وفتحت باب السيارة ثم ترجلت منها بهدوء وسارت خطوتين لكنها عادت مرة أخرى وخلعت الجاكيت من على كتفها ومدت يدها به إلى داخل سيارته وهى تقول :
- خد الجاكيت بتاعك
نظر إليها ثم سحبه من يدها ووضعه بجواره ...
اتجهت إلى سيارتها وأدارتها ثم انطلقت فى طريقها إلى المنزل وبقى طيف مكانه يحاول أن يفكر ، ما يدور بباله هو خيانة رمّاح لأبيه اللواء أيمن ضياء وهو ما يهدد حياته ، لم يجد حلًا سوى العودة إلى المنزل وقص ما حدث على والده حتى يحذره.

اصطف سيارته أمام المنزل ثم دلف إلى الداخل وما إن رأته والدته حتى أسرعت إليه بشوق وقلق قائلة :
- كنت فين يا ابني كل ده؟ أنا كنت هموت من القلق عليك
ابتسم إلى والدته حتى يطمئنها قائلًا :
- اية يا ماما في ايه أنا كنت مع مازن كان عنده مشكلة كده و كنت بحلها معاه عادى يعنى مفيش حاجة ، متقلقيش يا حبيبتى أنا هطلع فوق وابعتيلى بابا عشان عايزه فى موضوع
ربتت على كتفه بحنو قائلة :
- حاضر يا حبيبى.

صعد طيف إلى الأعلى ودلف إلى شقته وما إن دخل حتى دلف والده خلفه على الفور ..
نظر إلى ولده ونطق متسائلًا :
- قُل لى اللى حصل بقى بالحرف الواحد وكنت عايز عنوان رماح ليه ، أنا مش فاهم أى حاجة فى حوارك ده
أشار طيف إلى والده قائلًا :
- اقعد يا بابا وأنا هفهمك حصل ايه بالضبط
جلس والده وظل منصتًا لولده الذى قص عليه ما حدث طوال اليوم منذ بداية محادثته بنيران حتى ذهابه إلى الفيلا.

رفع اللواء أيمن رأسه وقال بهدوء :
- بس نيران متعرفتش على الفيلا معنى كدا إن رماح برىء
- بقولك يا بابا كان خطيبها وهى مش هتجيب هدية إلا له هو وبعدين أنتَ سيبت إنهم جابوا فى سيرتك ومسكت فى دى
حاول أن يهدىء من روعه ونطق بابتسامة :
- يا سيدى أدينا عرفنا إن حد تبع نيران دى شغال مهرب مخدرات وعارفنى ، من بكرا مش هسيب حد فى عيلتها إلا لما أحطه تحت المراقبة أما عن رماح فأنا هعرف إذا كان كويس ولا زى ما أنتَ شاكك بس لغاية ما يحصل كدا مش عايزك تقرب منه نهائى أو تكلمه كلمة حتى ، متبوظش اللى بعمله تمام
نظر إلى والده الذى نجح فى تهدئته وأردف :
- تمام.

دلفت إلى داخل الفيلا فوجدت والدها بانتظارها كعادته فلم تعيره اهتمام وصعدت الدرج فصاح والدها بغضب قائلًا :
- كنتِ فين ؟
أجابته وهى تصعد إلى الأعلى دون أن تتوقف :
- كنت عند الدكتور
صاح فيها بغضب شديد قائلًا :
- دكتور ايه اللى فاتح لحد نص الليل ده ؟

توقفت للحظة ثم التفتت لتنظر إليه قائلة :
- والله مش مصدقنى وعايز تراقبنى اتفضل مش همنعك وياريت تعاملنى بأسلوب أحسن من كدا أنا مش بهيمة مربيها عندك ، خليك أنتَ ورماح خططوا ودبروا كويس وسيبونى أنا فى حالى علشان طهقت
أنهت جملتها وصعدت على الفور وبقى أمجد مكانه يفكر فى جملتها الأخيرة "خليك أنتَ ورماح خططوا ودبروا كويس"
جلس ونظر إلى الأعلى وهو يردد :
- لو عرفت حاجة هتبقى مصيبة ... هتبقى مصيبة ، لازم أمنعها تروح للدكتور ده خصوصًا بعد اللى رماح قالهولى.

دلف إلى مكان ما ورفع سلاحه وأطلق النار فى وجه من يعترض طريقه حتى دلف إلى إحدى الغرف واتجه إلى ذلك الشخص المسمى ب " الفهد" ووجه سلاحه إلى رأسه قائلًا :
- طول عمرى باخد أوامرى منك على أساس إنك رئيسى لكن أنا عارف إن في أكبر منك وأكبر من اللى أكبر منك .. انطق وقل لى مين الراجل اللى بتتعامل معاه ؟
هتف المدعى بالفهد قائلًا بتحذير :
- اللى بتعمله ده مش فى مصلحتك يا وائل .. أنتَ كدا بترمى نفسك فى النار ومش أى نار ، النار دى هتدمرك.

ابتسم وائل ليقول بعدم اهتمام :
- اللى كنت عايش علشانه مات فمبقاش فيه حاجة أبكى عليها ، هتنطق وتقول مين الرأس اللى أكبر منك ولا أفجر دماغك ؟
ابتعد وهو يرفع يده مستسلمًا :
- هقولك هقولك بس ماتندمش لما تموت قبل ما توصله
ابتسم قائلًا :
- متخافش مش هندم.

- اللى عايزه يبقى خالد .. خالد السنباطى تعرفه طبعًا
ضحك وائل بسخرية ليقول :
- ومين ميعرفش خالد السنباطى عضو مجلس الشعب ، يلا يا فهد معلش هموتك بس متقلقش هبعتلك خالد السنباطى يونسك فى جهنم هو والصحبة الكريمة
ثم أطلق الرصاص عليه دون رحمة ورحل وسط بركة من الدماء السائلة ...

يومًا مر دون أن يحدث شىء جديد ففى هذا اليوم لم تذهب نيران إلى الطبيب طيف كعادتها بسبب منع والدها لها وبدأ اللواء أيمن ضياء فى دراسة كافة الأدلة التى حصل عليها ...

جاء وقت حفل عيد الميلاد الخاص بنيران ودلفت والدتها إلى داخل غرفتها لتقول :
- ها يا نيسان عملتى ايه؟
ابتسمت نيسان ومدت يدها لتسحب نيران التى التفت لتتفاجئ والدتها بجمالها الطاغى وفستانها الذى حلمت دومًا بأن تلبسه .. كانت جميلة لكن تنقصها الابتسامة فاقتربت والدتها وأمسكت كتفيها بحب لتقول بحنو :
- قمر يا حبيبتى ، طول عمرك قمر .. يلا ابتسمى كدا وافرحى ده عيد ميلادك ويلا انزلى علشان الكل بيسأل عليكى
ابتسمت ابتسامة مصطنعة لتقول :
- حاضر يا ماما نازلة أهو.

ابتسمت الأم ثم خرجت لتترك نيسان بصحبة شقيقتها نيران فنظرت إليها نيسان قائلة بمزاح :
- ايه رأيك بقى فى المكياج والحاجات الحلوة دى يا نونو ؟
نظرت إلى نفسها فى المرآة وهى تقول بضجر :
- حاجات حلوة ايه أنا حاسة إنى شبه الجوكر بكمية المكياج الرهيبة دى.

ضحكت من شقيقتها لتقول مبتسمة :
- أنتِ عارفة الحسنة الوحيدة اللى خدتيها من فقدانك الذاكرة ايه ؟هى إن دمك بقى خفيف وبقيتِ جريئة كدا ، أنتِ كنتِ زمان كيوت خالص .. دلوقتى بحس إنى أخت جون سينا (مصارع) كدا
- طيب يلا بينا ننزل بدل ما أقلبها أندر تيكر وأنزل أنكد على اللى خلفوهم تحت.

تحركت إلى الأسفل بصحبة شقيقتها وأخذت تُسلم على الجميع وتتحدث مع البعض حتى شعرت بملل شديد لكن ما إن رأت طيف حتى ابتسمت من جديد وأسرعت إليه ..
حضر طيف إلى الحفل بناءً على رغبة نيران التى هاتفته وأصرت على حضوره فرأى طيف أنها قد تكون فرصة للتعرف جيدًا على عائلتها ويراقبهم عن كثب.

اقتربت منه فتفاجئ بامرأة فى غاية الجمال تقترب منه وعلى وجهها ابتسامة حتى اقتربت منه وهى تقول :
- كان ناقص دقيقة بالضبط وهسيب الحفلة وأطلع من كمية الملل كويس إنك جيت فى الوقت المناسب
ارتسمت ابتسامة على ثغره واقترب أكثر ليقول :
- ايه الجمال ده ، أنا ماعرفتكيش
ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة ونطقت بصوت شبه مسموع :
- ميرسى .. تعالى نلف شوية
- تمام.

استدارت لتتفاجئ بوالدها يقف خلفها فنطق على الفور :
- مش تعرفينا يا نونو
أشارت نيران إلى طيف قائلة :
- دكتور طيف .. الدكتور بتاعى
ثم أشارت إلى والدها وهى تنظر إلى طيف :
- بابا.

مد طيف يده ليصافح والدها بابتسامة مصطنعة فمد والدها يده هو الآخر وهو يقول :
- اتشرفنا بيك يا دكتور
أجابه طيف ومازالت الابتسامة على وجهه :
- الشرف ليا إنى اتعرفت على حضرتك يا أمجد باشا
ابتسم أمجد ثم أشار إلى طيف وهو يتحرك بعيدًا :
- Have fun.

أمسكته من يده لتسحبه خلفها مما جعله يتعجب لكنه لم يعلق .. وقفت بجوار حمام السباحة ونطقت قائلة وهى تنظر إلى النادل :
- ايه رأيك نعمل خناقة ونوقع الجرسون ده فى المياه ... بشوفها كتير فى الأفلام ونفسى أجربها
ضحك طيف من حديثها الطفولى لكنه نطق مازحًا :
- يا شيخة حرام عليكِ الجو تلج ، خليها فى الصيف طيب.

نظرت إلى النادل نظرة طفل فقد متعته ثم نظرت إلى طيف لتقول :
- يووه لسة هستنى للصيف .. طيب ماشى مش مشكلة ، قل لى بقى بما إنك هنا يا دكتور ، اعتبرنى أنا الدكتورة وأنتَ المريض وكلمنى عن نفسك
نظر إلى السماء ثم أخفض رأسه لينظر إليها وهو يقول :
- طيب يا ستى ، أنا طيف أيمن
ضمت حاجبيها لتقول باندهاش :
- بجد ؟! ايه يا دكتور مانا عارفة إنك طيف أيمن.

ضحك طيف ثم تابع :
- سيبينى أكمل بس .. بصى أنا خريج كلية الطب النفسى جامعة القاهرة ، عندى 30 سنة .. عندى أختين تنّة ورنّة
قاطعته قائلة :
- استنى بس تنّة ورنّة ؟ أنا لسة متفرجة من شهر على فيلم كارتون وفيه جنية اسمها تنّة ورنّة
ابتسم طيف ليقول :
- أيوة بالضبط مانا بهريهم تريقة على كدا بس الاسم حلو الصراحة مش عارف أنا ليه سمونى اسم العفاريت ده
رفعت حاجبيها لتقول معترضة :
- ماله اسم طيف بس ما حلو ومختلف كمان.

- ايه ده طيف حلو ؟
هزت رأسها بالإيجاب :
- شور .. ده اسم مميز يعنى عندك أنا اسمى نيران على اد ما الاسم مش عاجبنى لكن حبّاه علشان مختلف أما بقى عن أختى فضاقت بيهم الأسماء وسموها على اسم عربية "نيسان" ، كمل كمل أنا سامعة.

ضحك طيف ثم تابع :
- تنّة عندها 35 سنة ومتجوزة لكن جوزها بيسافر فترات طويلة فبتقعد عندنا فى البيت الفترة دى ورنّة فى ثانوية عامة أما أنا الوسطانى .. حلم بابا إنى كنت أدخل كلية شرطة لكن أنا صممت ودخلت طب علشان بحبه وخصوصًا وأنا صغير كنت بحب أسمع لمشاكل صحابى وأقعد أحلها معاهم وأبسط الامور فده اللى حببنى فى الطب النفسى لكن دلوقتى بتندم .. معظم الأيام مابيبقاش فى مرضى خالص ، ممكن مريض أو اتنين فى الأسبوع واتأقلمت على كدا
ضيقت ما بين حاجبيها قائلة :
- ما يمكن المشكلة فى المكان ، شوفلك مكان تانى غير ده.

حرك رأسه بابتسامة خفيفة ليوضح :
- مش حكاية مكان ، دلوقتى اللى بيحس بمشاكل نفسية يا إما بيقعد يكتئب فى أوضته يا إما بينتحر ، هنا فى مصر ثقافة إن الشخص يحل مشاكله النفسية بإنه يتابع مع دكتور قليلة جدًا ، مش مقتنعين بالدكتور النفسى ، طب ؟أقولك على حاجة .. معظم اللى بيشوفوا دكاترة نفسيين بينتحروا بعدها على طول.

شعرت نيران بالقلق وضيقت نظراتها لتقول :
- قصدك ايه يا دكتور ؟
ابتسم طيف وهز رأسه بعشوائية قائلًا :
- ماقصدش حاجة والله أنا قصدى إن معظم اللى عندهم مشاكل نفسية بمجرد ما يروحوا لدكتور نفسى مابيعجبهمش الكلام ويقرروا ينتحروا لمجرد إن كل محاولاتهم انتهت ، خلاصة الكلام إنى فى الأول وفى الآخر ندمت إنى مادخلتش شرطة.

زاد الحديث بينهم وتعمقوا كثيرًا وأخذت ضحكاتهم تتزايد حتى سألها طيف هذا السؤال الذى يشغله :
- هتعملى ايه بمجرد ما الذاكرة ترجعلك؟
نظرت إليه ولم تستطع الإجابة على سؤاله فعاود سؤالها مرة أخرى :
- متعرفيش هتعملى ايه ؟

حركت رأسها لتقول :
- أكذب عليك لو قلتلك إنى عارفة أنا هعمل ايه ، أنا عايزة الذاكرة علشان أفتكر ايه اللى حصلى بس لكن فى نفس الوقت خايفة أعيش شخصية الماضى تانى وساعتها هكون اتعودت على الشخصية دى .. مش عارفة أنا عايزة ايه بس كل اللى بفكر فيه إنى مفضلش خايفة كتير من اللى حوليا ، ساعات بحس إنى فى خطر ومش عارفة مصدر الاحساس ده ايه ، مش قلقانة من كل اللى حوليا اد ما أنا قلقانة من نفسى
ضم حاجبيه ليقول متعجبًا :
- قلقانة من نفسك ؟ ازاى !

هزت رأسها لتقول بقلق بعد أن أخذت نفس :
- خايفة أكون كنت شغالة معاهم قبل فقدانى الذاكرة ، خايفة أتصدم بالحقيقة وأكتشف إنى كنت وحشة
نظر طيف إلى عينيها ونطق بإقناع :
- لا أنتِ مش كدا ، أنا واثق مليون فى المية إنك ماكنتيش كدا نهائى ومتسمحيش إنهم يأثروا عليكى بأفكار زى دى تانى وبعدين صحيح أنتِ ماجيتيش امبارح ل..

لاحظ أنها تنظر خلفه وتحدق بعينيها على شخص معين فالتفت ليرى هذا الرجل فعاود النظر إليها مرة أخرى قائلًا باستفهام:
- مالك ؟ بتبصى عليه كدا ليه ؟
ازدادت دقات قلبها وأردفت بخوف شديد :
- مش عارفة أول ما شوفت الراجل ده قلبى وقع وحاسة إنى شوفته قبل كدا أو أعرفه
التفت مرة أخرى ولكن تلك المرة تركها وتقدم بضع خطوات تجاهه حتى وصل إليه ومد يده قائلًا :
- أنا شوفتك قبل كدا !!

ابتسم هذا الرجل قائلًا :
- للأسف ماحصليش الشرف
أشار طيف إلى نيران لتقترب ثم نظر إليه مرة أخرى قائلًا :
- يبقى شوفتها هى !
تبدلت ملامحه من الابتسام إلى القلق والتوتر وأردف :
- ااا...طبعًا نيران بنت أمجد باشا ومين مايعرفهاش.

أشار إليها بحركة من عينيه فتبعته بعيدًا..
- أنتِ عندك حق شكله مايطمنش نهائى ، مشوفتيش أنتِ وشه لما ناديتلك قلب 100 لون
حركت رأسها باستفهام :
- والحل ؟ هنعرف ده مين ازاى !

أتى صوت من خلفهم :
- نيران !! طيف ؟ بتتوشوشوا فى ايه؟
رواية بنت القلب للكاتب عبد الرحمن أحمد الفصل السادس

كان هذا الصوت كافيًا ليعلم طيف من يتحدث دون أن يلتفت ليرى مَن فهمس بصوت غير مسموع :
- أ**** برودك يا أخى ، كانت ناقصاك
التفت ليجد رماح فصافحه بابتسامة مصطنعة قائلًا :
- أهلًا يا سيادة الرائد
ارتسمت ابتسامة مصطنعة على وجهه قائلًا :
- أهلًا يا دكتور نورت الحفلة والله
لوى ثغره بابتسامة مصطنعة ليقول هو الآخر :
- منورة بأصحابها.

ثم نظر إلى نيران فأثارت تلك الحركة غضب رماح ليقول بضيق :
- طيب بعد اذنك هاخد خطيبتى عايزها فى موضوع
رفع حاجبيه بابتسامة مستفزة ليقول بهدوء مصطنع :
- طبعا طبعا اتفضل
سحبها رماح من يدها وابتعد عن طيف الذى تابعهم بنظره حتى اختفوا من أمامه ...

وقفت نيران وسحبت يدها فى عصبية شديدة لتقول بغضب وهى تشير بإصبعها تجاهه محذرة :
- قلتلك مية مرة أنا مش خطيبتك وتانى مرة متمسكش ايدى كدا مفهوم ولا مش مفهوم؟
ابتسم بهدوء دون أن يرد على ما قالته وغير مجرى الحديث قائلًا بتساؤل :
- بيعمل ايه هنا ده؟
أجابته بحدة بعد أن أشعل غضبها أكثر من سؤاله المستفز فهو يعلم أنه طبيبها :
- أنا اللى قلتله يجى ، الدكتور بتاعى برضه ولا أنتَ ناسى.

أومأ رأسه بابتسامة ليقول بجدية بعد أن اختفت ابتسامته :
- لا مش ناسى بس طيف ده أنا مش بطيقه
صاحت فيه منفعلة :
- وأنا مالى ما تكرهه براحتك ده الدكتور بتاعى وأنا حرة محدش قالك حبه وبعدين سيبنى بقى علشان أقف مع الناس
ضيق ما بين حاجبيه ليقول متسائلًا بسخرية :
- تقفى مع الناس برضه ولا الشبح بتاعك
ابتسمت ابتسامة مستفزة لتجيبه بغضب :
- مايخصكش
رحلت ليبقى هو فى مكانه والغضب يشتعل منه ، زاد غضبه وتوعد لطيف لكنه قرر أن يترك تلك الليلة تمر على خير دون أن يفسدها بما سيفعله.

عادت إلى طيف مرة أخرى لتقول بابتسامة هادئة :
- أسفة معلش
تصنع طيف الابتسام ليقول بمرح :
- لا أبدًا مفيش حاجة
نظرت إلى الأشخاص المتواجدين بالحفل وبحثت بعينيها
عن ذلك الشخص الذى أثار ريبتها وقلقها فعلم طيف أنها تبحث عنه فأجابها بإيجاز :
- مشى
عاودت النظر إليه بعد أن ضيقت مابين حاجبيها بتعجب :
- أنتَ شوفته ؟

حرك رأسه بالإيجاب وهو يقول :
- أيوة فضل يتلفت شوية كدا وبعدين سلم على والدك ومشى
عبثت بوجهها وزاد ضيقها وقلقها لتقول :
- وهنعرف مين ده دلوقتى ازاى ؟
ابتسم طيف بعد أن سحب هاتفه من جيب بنطاله وفتح آخر صورة التقطها ومد بيده إليها وهو يقول :
- عيب عليكِ هى دى حاجة تغيب عنى ، أنا صورته وهو مش واخد باله وبكرا هعرفلك قراره
تهللت أساريرها وقالت بسعادة :
- حلو أوى برافو عليك.

اعتدل فى وقفته ليعدل لياقة قميصه ثم أردف مازحًا :
- عيب عليكِ أنا دكتور اه لكن حسى البوليسى عالى برضه
ضحكت نيران فتابع بجدية يتسائل :
- ها هتيجى العيادة بكرا ولا ايه نظامك
شردت قليلًا فهتف مجددًا بابتسامة :
- شكلك بتخلعى بشياكة
التوى ثغرها بابتسامة خفيفة لتقول بهدوء :
- أبدًا والله بس بفكر فى طريقة متخليش بابا يمنعنى.

صاحت الأم أسماء بصوت شبه مسموع وهى تنادى على ابنتها تنّة :
- يا تنّة .. أنتِ يابنتى !!
أسرعت إلى والدتها و علامات الاستفهام مرتسمة على وجهها لتقول :
- أيوة يا ماما
وقفت أسماء واتجهت إلى المطبخ وهى تقول :
- تعالى يلا ساعدينى أحضر العشاء أنا كلمت أخوكى وهو جاى دلوقتى وأبوكى خمس دقايق وجاى
تحركت خلف والدتها متجهة إلى المطبخ لتقول بهدوء :
- طيب يا ماما.

ظلت تنّة تساعد والدتها وتعدُ كل شىء وأثناء انشغالها هتفت والدتها بتساؤل :
- مفيش أخبار عن باسل جوزك ؟
هزت رأسها لتجيب والدتها بحزن :
- لأ يا ماما ، آخر مرة كلمنى كان من يومين وقالى إنه هيرجع من السفر كمان شهر
اعتدلت أسماء ونظرت إلى ابنتها لتقول بجدية واضحة وهى تحذرها :
- خلى بالك يا تنّة ، الصنف ده أنا عارفاه كويس .. ممكن يكون اتجوز عليكِ.

ضمت مابين حاجبيها بصدمة بعد أن فغرت شفتيها لتقول :
- ايه !! باسل يتجوز عليا ؟ لا لا ماظنش يا ماما
أصرت والدتها على رأيها وهى تقول بنفس اللهجة المحذرة :
- متنسيش يا تنّة إنك مش بتخلفى وحرماه من الخلفة وهو زى أى راجل عايز يبقى له طفل ومش بعيد يتجوز علشان يخلف عيل يشيل اسمه
حاولت تنة طرد تلك الأفكار التى زرعتها والدتها برأسها لكنها لم تستطع وأخذت تفكر مليّا فى حديث والدتها فقطع تفكيرها صوت والدتها تقول بتحذير :
- حاولى تسايسيه لما يجى وتعرفى كل حاجة منه
أجابتها تنّة باقتضاب :
- ربنا يسهل.

تركت كتابها وزفرت بضيق محدثة نفسها :
- أووف ! أنا زهقت من دى مذاكرة ، معظم اليوم مذاكرة علشان زفت ثانوية عامة ... ياربى
ثم أمسكت بهاتفها وهاتفت صديقتها المقربة خلود وماهى إلا ثوانٍ حتى أجابتها خلود :
- رنّة ! ايه يا بنتى فيه حاجة
كان رد صديقتها يتملكه القلق لأن الساعة تجاوزت الحادية عشرة
فأجابتها رنّة بإنزعاج :
- ايه يا خلود مالك قلقانة كدا ليه هو لازم علشان أكلمك يكون فى مصيبة ؟

التقطت أنفاسها بعدما طمئنتها جملة صديقتها الأخيرة وأردفت بمزاح :
- معلش يا رنّة أصل اللى زينا فى سنتنا دى مايتوقعش خير أبدًا
هزت رأسها وهى تؤكد على كلامها :
- أيوة والله أنا حاسة إنى هطق مش قادرة أستوعب كلمة تانية فى المنهج
- مين سمعك والله دى حاجة تشل ربنا يستر والسنة دى تعدى على خير أحسن أنا مش مطمئنة للبوكليت ده والله
وضعت رنّة يدها على رأسها لتقول بضيق :
- اه البوكليت اللى طالعلنا فى البخت ده كمان ، حاجة تشل وتعل والله يابنتى.

طرق طيف بخفة على الباب بعدما اكتشف نسيانه المفتاح بالمنزل فأسرعت شقيقته الصغرى رنّة بفتح الباب لتصيح بغضب :
- نفسى متنساش المفاتيح هنا يا طيف وتفتكرها زى ما بتفتكر مفاتيح العربية ومش بتشيلها من جيبك
دفعها بخفة ليقول مازحًا :
- بس يا نغمة التليفون أنتِ مش فايقلك أنا جعااان
رفعت حاجبيها لتقول معترضة :
- يا طيف بطل الرخامة دى قلتلك مية مرة متتريقش على اسمى
ابتسم طيف وهو فى طريقه إلى الدخول ليقول بلا مبالاة :
- أقولك ايه مش أى حد اسمه رنّة يا أختى.

دلف إلى داخل المنزل ليجد والدته تخرج من المطبخ فاقترب منها وقبل يدها وهو يقول :
- ازيك يا حبيبتى
ابتسمت أسماء ووضعت يدها على رأس ابنها لتقول بحنو دافئ :
- الحمدلله يا حبيبى ها أخبار الشغل النهاردة ايه؟
ابتسم طيف ابتسامة مصطنعة ليجيب والدته :
- كل خير يا ست الكل المهم دلوقتى أنا جعان أوى وشامم ريحة بطاطس بتتقلى.

نظرت أسماء إلى المطبخ وصاحت بصوت شبه مرتفع :
- يلا يا تنّة جهزى الأكل أنتِ وأختك أخوكى جه وأبوكى داخل دلوقتى
عاودت النظر إلى ابنها لتقول بحنو :
- أيوة عاملالك البطاطس المحمرة اللى بتحبها وبالظبط 5 دقايق والأكل يبقى جاهز
ابتسم طيف ورفع يد والدته ليقبلها قائلًا :
- تسلميلى يا حبيبتى.

صاحت رنّة بغضب وهى تتجه إلى المطبخ :
- والله حرام أنا فى ثانوية عامة المفروض تجيبولى الأكل لغاية أوضتى
ردت والدتها :
- ما طول اليوم بخدمك أنا وأختك ماجتش على دلوقتى أنا تعبانة.

أعدت تنّة العشاء بمساعدة شقيقتها الصغرى وما إن انتهوا من تحضير كل شىء حتى دلف اللواء أيمن ليقول :
- ياااه أنا جعان أوى
صاح طيف هو الآخر :
- ومين سمعك يا سيادة اللوا أنا عصافير بطنى بتصوصو كأنى ماأكلتش من شهر
رفعت أسماء حاجبيها بتعجب لتقول متسائلة :
- اتأخرت كدا ليه يا أيمن ؟
أجابها أيمن وهو يخلع الجاكيت الخاص به :
- كان فيه مهمة وكنت بتابعها بنفسى ، المهم يلا نتعشى علشان الحق أنام علشان هصحى بدرى أمشى علشان في شغل كتير.

تحرك الجميع باتجاه السفرة وجلسوا ليتناولوا العشاء ، نطق طيف بجدية وهو يضع الطعام فى فمه :
- صحيح يا بابا هو مش ممكن أبقى ظابط ولا خلاص راحت عليا
لمعت عين اللواء أيمن ليقول بخبث بعد أن ارتسمت الابتسامة على ثغره :
- ينفع طبعا بس أنتَ انوى
ضم ما بين حاجبيه ليقول متعجبًا :
- ازاى ؟ أنا دكتور وعادى أبقى ظابط من غير ما أدخل كلية الشرطة ؟

تابع والده بجدية :
- طبعا .. فيه كذا طريقة منهم الضباط المتخصصين وهو إنك تبقى ظابط فى تخصصك يعنى مثلًا ظابط دكتور وبتترقى عادى بس بتبقى شغال فى مجالك كظابط بس أنا ممكن أسهلك الدنيا وتبقى ظابط عادى مش لازم تمارس الطب
قاطعتهم رنّة بعد أن لوت شفتيها :
- أنتَ تبقى ظابط يا طيف ؟ أنتَ تافه ياابنى ظابط ازاى .. كل بطاطس وبطل كوميديا
أمسك طيف بشوكة أمامه ورفع يده بعد أن أعادها للوراء ومثل بأنه سيلقى بها فى وجهها فأبعدت نفسها بسرعة عنه فضحك بمرح ليقول :
- هششش ماسمعش صوتك خالص.

نظر إليها أيمن ليقول بجدية :
- استنى أنتِ يا رنّة خلينى أعرف أكلم أخوكى
ثم نظر إلى طيف وتابع :
- ها يا وحش نبدأ فى الإجراءات وكل حاجة ؟
صمت قليلًا ليقرر بشكل نهائى فهو كان يريد فى البداية الاستفسار فقط عن الأمر لكن والده أقنعه بكل شىء ، تمنى لو أنه لم يطلب هذا من والده لكنه تذكر جلسته طوال اليوم بلا عمل فأخذ قراره النهائى...

تنحنح ليقول بصوت شبه مسموع :
- تمام يا بابا ، توكلنا على الله
ابتسم والده وتهللت أساريره ثم أردف بفخر :
- أيوة كدا هو ده ابنى اللى اتمنيته
شهقت أسماء بفزع قبل أن تنفعل قائلة :
- ايه اللى بتقولوه ده ، ابنى مش هيخش حاجة يا أيمن .. أنتَ عايزه يروح منى ؟

- يا ستى دى رغبته وبعدين عاجبك قعدته فى العيادة طول النهار من غير شغل ؟
حركت رأسها لجيب برفض تام :
- لا أنا مش هسيبه أبدًا ، مش هرميه فى النار بايدى
ابتسم طيف لوالدته التى كانت تجاوره على السفرة ووضع يده على كتفها ليقول بحب :
- يا حبيبتى أنا عايز ده وبعدين نار ايه هو أنا رايح أحارب
أجابته على مضض :
- أيوة .. تبقى ظابط يعنى ضرب نار .. يعنى رصاصة من ألف مكان تيجى فيك ... لا يا طيف مش هسمحلك تعمل كدا.

قبل رأسها ليحاول إقناعها ثم تابع بجدية :
- يا ماما هو أنا هبقى مع حد غريب ! أنا هبقى مع بابا ده غير إن لسة فترة عقبال ما أتدرب وحوارات كبيرة تخشلها فى سنتين أو أكتر وبعدين أوعدك لو بقيت ظابط كبير هخش آداب أو حاجات من الخفيفة دى مش هخش مخدرات ولا قتل ولا اللى فى دماغك يعنى أمان الأمان
نظرت إليه لتقول بتردد :
- مش متطمنة برضه ، لا لا
قبل رأسها مرة أخرى قائلًا :
- متخافيش ، أوعدك هعمل أى حاجة مافيهاش خطر علشان خاطرك.

استسلمت لرغبته الملحة فحركت رأسها وأجابت باقتضاب :
- طيب يا طيف
غمزت تنّة إلى شقيقها وأردفت :
- أيوة يا عم ، نقولك بقى سيادة الظابط الدكتور
عدل طيف من لياقة قميصه ليقول بتفاخر :
- أكيد ، أخوكى هيبقى قيمة ومركز يعنى حاجة فى اى بى
رفعت رنّة يدها لتقول معترضة :
- يا شيخ اتنيل ، ده منظر واحد هيقابل مجرمين ويقبض عليهم !! أنتَ أخرك تاخدهم السيرك تفسحهم أو تضحكهم مش متأكدة.

ضغط على شفتيه ليقول بتحذير :
- ما بلاش يا رنّة على النوتة أنتِ ، سيبى ملحتى اللى قارشاها دى بدل ما أرشقك دعوة ترجعك أولى ثانوى تانى وأنتِ عارفانى دعوتى مستجابة
رفعت يدها لتضعها على فمها قائلة بقلق :
- لا لا خلاص أهو ، أنتَ آخر مرة دعيت عليا أقع من على السلم علشان خلعت فيشة الراوتر نزلت من الدور التالت سحف للأرضى وعضمى اتدغدغ
ارتسمت ابتسامة على ثغره تدل على انتصاره ليؤكد حديثها قائلًا :
- بالظبط يا رنتى ، متخلينيش أدعى دعوة وأندم عليها ياأختى واطفحى علشان عندك مذاكرة.

تركت الطعام ولوت شفتيها لتقول بغضب :
- سديت نفسى يا شيخ حرام عليك
صاحت أسماء :
- يابنتى اسكتى بقى وبطلى شغل القط والفار اللى مش بيخلص ده
وقفت رنّة وقالت بغضب :
- خلاص مش واكلة سد نفسى خلاص
فغر شفتيه بصدمة وهو ينظر إلى الطبق الموضوع أمامها ليهتف بعدم تصديق :
- سديت نفسك !! أنتِ لحستِ الطبق وكلتِ نص طبقى يا مفجوعة أُمال لو ماكنتش سديت نفسك كنتِ كلتينى ؟

رفعت حاجبيها لتقول معترضة :
- أنتَ باصصلى فى اللقمتين اللى أكلتهم !!
حرك رأسه مبتسمًا ليرد باستفزاز :
- لا مش لقمتين دول رغيفين يا بنت أسماء
- يابااااى عليك
تركته ورحلت فهتف قائلًا :
- ايه يا بنتى دى مش أكلتك المفروض تاكلينى !
صاحت وهى فى طريقها لغسل يدها :
- هااااه خفة !!

ترك طيف الطعام واتجه إلى الحمام ليغسل يديه ثم توجه إلى الخارج مرة أخرى ليجد شقيقته الكبرى تنّة تنظر له بتعجب وتأمل فرفع حاجبيه وأردف بدهشة :
- ايه مالك بتبصيلى كدا ليه ؟
حركت رأسها وأجابته باستنكار :
- مستغربة ... مستغربة إنك هتسيب شغلك كدكتور علشان تبقى ظابط ده غير الخطر اللى هتشوفه
رسم إبتسامة خفيفة على ثغرة لبث الطمأنينة فى قلبها ثم أردف :
- والله دى حاجة غصب عنى ، أنتِ عارفة لولا إن بابا له مركز ولواء شرطة كان زمانى فكرت فى مشروع تانى غير طب وفى كلتا الحالتين كنت هسيب شغلانة الدكتور النفسى دى لأنها مش جايبة همها ، وبما إن بابا راجل عسكرى فحبيت أبقى زيه طالما مانجحتش فى شغلى الأساسى ده غير إنى حابب اللى اختارته ، بصى اللى فيه الخير ربنا يقدمه.

رفع حاجبيه ليتابع بتعجب :
- ايه ده أنا بتكلم معاكى جد !! غريبة دى
ضحكت تنّة لتقول بمرح :
- مش لايق دور الجد عليك ياأخويا ، وسع بقى خلينى أشيل الأكل وأغسل المواعين

رحلت وتحرك هو فى طريقه إلى الأعلى حيث شقته ... سار وفى ذهنه شىء واحد لا يفكر إلا فيه .. هل اتخذ القرار الصائب ؟
هل ما سوف يقدم عليه سيكون ناجحًا أم سيحقق فشلًا فى هذا أيضًا ؟
رواية بنت القلب للكاتب عبد الرحمن أحمد الفصل السابع

مر شهرين دون أى أثر لطيف الذى اختفى تمامًا وكان والده فقط الذى على علمٍ بمكانه ومركز تدريبه ...

اقتربت منه وانخفضت لتهمس فى أذنه بإبتسامة ماكرة :
- شكلك مش ناوى تكمل تدريب وهتفضل متبهدل كدا
أثارت تلك الجملة غضبه فنهض مسرعا واقترب منها وهو يمد يده استعدادًا للكمها فأبعدت وجهها بحركة سريعة وركلته بقدمها بقوة فوقع على إثرها فاقتربت منه مرة أخرى لتقول :
- مش بقولك ، أنتَ ضعيف.

أسند يديه على الأرض وأخذ يحاول الوقوف حتى نجح ونظر إليها بأعين مشتعلة وظل محدق بها وهو يتوعدها قائلًا :
- أنا مش ضعيف
ثم تحرك بسرعة شديدة تجاهها فقفزت فى الهواء ورفعت قدمها وركلته بقوة شديدة فتراجع بضعة أمتار ووقع على الأرض ، سحب أنفاسه بصعوبة بالغة وحاول الوقوف مرة أخرى لكنه لم يستطع وظهرت العديد من الجروح بوجهه وسالت الدماء بشكل أقوى.

اختفت إبتسامتها وأردفت بجدية واضحة وهى تلتفت للجهة الأخرى :
- مستنياك فى مركز التدريب .. متتأخرش يا غيث
اعتدل غيث فى جلسته ومسح الدماء الظاهرة على وجهه بيده ثم نهض بصعوبة وتحرك على قدمه بتألم شديد ، سار فى طريقه حتى وصل إلى مركز التدريب الخاص به فوجدها تجلس وعلى وجهها إبتسامة خفيفة وما إن رأته حتى هتفت بهدوء :
- تعالى كل يلا.

حدق فيها بنظراته المشتعلة فصاحت مجددًا:
- هتفضل باصصلى كدا كتير ؟ يلا تعالى كل علشان تعرف تكمل تدريباتك
استجاب غيث لطلبها واقترب من الطاولة الصغيرة وجلس على الكرسى ونظر إليها بتعجب ليقول متسائلًا :
- أنتِ مين وأنا هنا ليه ؟
اتسعت إبتسامتها وأردفت وهى تشير إلى الطعام :
- كُل
وجه أنظاره إلى الطعام وشرع فى الأكل بنهم شديد وكأنه لم يأكل منذ عدة أسابيع ..

ظلت تتابعه بنظراتها حتى انتهى فابتسمت قائلة :
- أنا اسمى ليان ، أنا اللى هبقى المسئولة عن تدريبك هنا
حرك رأسه ليبدى تعجبه وسألها مرة أخرى :
- تدريب ايه أنا مش فاهم أى حاجة
وقفت وأدارت ظهرها وهى تقول بإقتضاب :
- مش ملاحظ إن أسئلتك كترت !!
وقف هو الآخر ووجه أنظاره إليها ليعيد سؤاله مرة أخرى :
- لازم أفهم فى ايه ! ما أنا مش هفضل كدا من غير ما أفهم وبعدين تدريب ايه ؟ ده أنتِ اللى بتضربينى .. فين التدريب ده!

التفتت لتنظر إليه مبتسمة واقتربت منه أكثر وأجابت بمكر :
- لازم تتضرب وتتألم علشان يبقى عندك دافع تدافع عن نفسك وتتقن التمارين .. مفيش تمرين مجرد تشجيع بس كدا
ابتعد عنها بضع خطوات ثم التفت إليها مرة أخرى ليقول ساخرًا :
- بس مش غريبة إن بنت هى اللى تدربنى !!!
ضحكت من جملته الأخيرة وخبطت بيدها فوق يدها الأخرى لتجيب بتحذير :
- متنساش إن البنت دى هى اللى شلفطت وشك كدا وخلتك مش عارف تمشى على رجليك دلوقتى.

ظل يفكر فى حديثها ويحاول فهم ما يحدث لكنه لم يستطع فاقترب ليقول باستسلام :
- أنا هعمل اللى عايزينه بس أفهم أنتم مين وبتعملوا كدا ليه وعايزين منى ايه؟
أدارت رأسها واتجهت إلى الخارج وهى تقول بجدية :
- هتعرف كل حاجة بس مش دلوقتى

رفع صوته ليناديها :
- رايحة فين ؟
التفتت بوجهها نصف إلتفاتة لتقول :
- مستنياك برا ، علشان نكمل تدريب

دلف إلى أحد الملاهى الليلية وجلس على مقربة من أحد الأشخاص الذى يبدو وكأنه يراقبه أو شىء كهذا ثم رفع يده وأشار إلى النادل ليقول :
- الكأس بتاعى
أسرع النادل وهو يقول :
- حاضر يا وائل باشا
التفت الرجل الذى بجانبه على صوته وأردف بإبتسامة :
- أنا شوفتك قبل كدا صح ؟
هز كتفيه ليجيبه قائلًا :
- يمكن.

ابتسم له بمكر ليقول تلك المرة بجدية :
- لا مش يمكن ، أنا عارف إنك جاى ليا يا وائل .. مش أنتَ برضه وائل الأيمن ؟
ابتسم وائل واعتدل فى جلسته ثم سحب علبة السجائر الخاصة به وسحب سيجارة ثم رفع القداحة ليشعلها ومن ثم أعادها إلى جيبه مرة أخرى وهو يقول :
- برافو عليك ، باين عليك عارف كل حاجة وعارف إنى جاى أخلص عليك
ضحك "خالد السنباطى" بسخرية قبل أن يرتشف الخمر من كأسه وأردف :
- أنا عارف إنك جاى من ساعة ما قتلت فهد وكنت تحت عينيا طول الوقت بس سيبتك بمزاجى.

ضم ما بين حاجبيه بعلامات تعجب مصطنعة ليقول :
- لا بجد ؟ وماخلصتش عليا ليه طالما عارف إنى لو وصلتلك هخليك تحصل الفهد ؟
ارتشف الخمر من كأسه ثم نظر إلى النادل وأشار إليه بسكب المزيد وما إن فعل أعاد بصره إلى وائل وأردف بهدوء :
- أكيد طالما سيبتك لغاية ما تجيلى هنا يبقى محتاجك وشيل من دماغك إنك تقتلنى هنا لأن المكان مرشق برجالتى فلو نجحت فى إنك تخلص عليا مش هتنجح فى الهروب ، ثم أكمل بقوة :يعنى من الآخر تسمعنى وتقولى رأيك فى العرض اللى هعرضه عليك.

أمسك وائل كأسه وارتشف هو الآخر منه ونظر إلى الأمام والتوى ثغره بإبتسامة ليقول متسائلًا :
- عرض ايه ده ؟ ومالك بتتكلم بثقة كدا ليه على أساس إنى هقبل العرض !
اعتدل خالد فى جلسته وحدق فيه بنظرات جادة وأردف :
- هفهمك كل حاجة بس متقاطعنيش للنهاية

فى منزل اللواء أيمن ضياء ،،،

صاحت أسماء بعينان دامعتان وأخذت تقول بحزن :
- يا عينى عليك ياابنى .. شهرين بحالهم ما أشوفكش ، ياترى عامل ايه دلوقتى ؟
تدخل أيمن وربت على كتفيها ليقول بهدوء :
- يا ستى متقلقيش عليه ، طيف دلوقتى كويس وبخير وهو دلوقتى فى مكان مخصص علشان يبقى جاهز إنه يبقى ظابط واحتمال ياخد إجازة اليومين دول متقلقيش.

حركت رأسها قائلة بحزن شديد :
- قلبى متوغوش عليه أوى ، مش متعودة يبعد عنى كدا
لوح بيده فى الهواء قائلًا :
- يا أسماء ما هو كان فى الجيش بيغيب زى كدا برضه مالك قلباها غم كدا ليه ، ابنك والله كويس
فى تلك اللحظة ظهر صوت الجرس العالى فصاحت تنّة لشقيقتها الصغرى :
- افتحى الباب يا رنّة
نهضت رنّة من فوق كتابها بغضب واتجهت إلى الباب لتفتحه فتفاجأت بطيف أمامها وعلى وجهه إبتسامة واسعة فارتمت فى حضنه قائلة :
- طيف وحشتنى أوى.

ابتسم طيف ليقول مازحًا :

- وأنتِ والله وحشتينى يا نغمة
اعتدلت ونظرت إليه بنصف عين قائلة :
- برضه نغمة !!
ضحك طيف ودلف إلى الداخل ..
صاحت أسماء بصوتٍ عالٍ :
- مين يا رنّة !!
دلف طيف إلى داخل المنزل وأدى التحية العسكرية قائلًا :
- تمام يا فندم
تهللت أسارير أسماء وصاحت بلهفة وهى تسرع تجاه ابنها وفلذة كبدها :
- ابنى حبيبى
ضمها طيف بحب شديد وكذلك هى لم تتركه وظلت على تلك الحالة لأكثر من دقيقة وهى تقول :
- وحشتنى أوى ياحبيبى .. كدا يا طيف تسيبنى الفترة دى كلها

ابتسم طيف ليقول مازحًا :

- معلش يا ست الكل هعوضك بس أسلم على الحاج والبت تنّة وأجى فى حضنك تانى
تركها واتجه إلى والده ليضمه قائلًا:
- واحشنى يا سيادة اللواء
ابتسم أيمن وربت على ظهره وهو يقول :
- وأنتَ يا طيف والله ، حمدالله على سلامتك يا وحش
- الله يسلمك يا بابا.

ثم اتجه إلى تنّة التى حضرت على الصوت وضمها قائلًا :
- وحشتينى يا تنّة والله
ابتسمت قائلة بمرح :
- وأنتَ والله يا طيف ، البيت كان نكد من غيرك
اعتدل وغمز إليها ليقول مازحًا :
- هقلبه موجة كوميدى بس اتقلى أنتِ
ضحكت قائلة :
- ياااه وحشنى هزارك والله والمقالب اللى كنت بعملها فيك

ظل الوضع كما هو عليه لساعتين كانت والدته تجلس بجواره طوال الوقت وتستمع لما يقوله حتى نهضت وأردفت :
- ساعة بالظبط وأعملك ورق العنب اللى بتحبه وبط يعوضوك عن الأيام دى كلها يا حبة عينى
لمعت عيناه وقال مسرعًا :
- ياريت والله يا ماما ده أنا نسيت طعم محشى الورق العنب عامل ازاى أصلًا
- ماشى يا حبيبى ، على طول متقلقش
ثم صاحت بصوتٍ عالٍ ؛
- بت يا تنّة .. يا رنّة ، تعالوا يلا علشان نعمل أكل لأخوكم يلا بلاش غلبة.

وضع والده يده على كتفه ليقول بجدية :
- ها يا وحش عامل ايه فى التدريب والتعليم وكل حاجة !
ابتسم طيف ليقول بتفاخر :
- عيب عليك يا سيادة اللواء .. كله تحت السيطرة ابن الوز بطوط برضه
ربت على كتفه مرة أخرى ليقول برضا :
- ربنا يعينك يا طيف ، أنا واثق إنك ادها وأكتر كمان وهتشرف أبوك
تذكر طيف ما حدث سابقًا فأسرع وسأل والده قائلًا :
- صحيح يا بابا عملت ايه فى موضوع رمّاح !!

ضم ما بين حاجبيه ليقول متعجبًا :

- أنتَ لسة فاكر ؟ على العموم مفيش حاجة وراقبت رماح لمدة 40 يوم وكل حاجة تمام ده قبض على العيال بتوع المخدرات كمان واعترفوا على اللى مشغلهم والقضية اتقفلت
فغر شفتيه غير مصدق لما يقوله والده وأردف بتعجب :
- رماح عمل كل ده !! وربنا أنا مابقيتش فاهم حاجة خالص ، يالهوى ده أنا نسيت أقول لنيران على اللى هعمله وكنا متفقين على جلسة فى العيادة بس سافرت من غير ما أقولها .. ربنا يستر وكل حاجة تكون عدت على خير
صمت قليلًا ثم تابع :
- أنا هتصل بيها وأحدد معاها ميعاد بالليل أفهم منها آخر الأخبار.

ثم وقف وكان على وشك الخروج فقاطعه والده قائلًا :
- طيف .. خلى بالك كويس منها
ضم مابين حاجبيه متعجبًا :
- مش فاهم قصدك يا بابا
ابتسم والده ليضيف :
- خلى بالك بس ، مش كل اللى فاكره طيب وكويس يبقى طيب وكويس ، حط كدا فى دماغك.

هز رأسه وتابع التحرك إلى الشرفة وهو يفكر فى جملة والده الأخيرة وحدث نفسه :
- ممكن تكون نيران بتمثل على الكل إنها فاقدة الذاكرة وعايزة توقعهم عن طريقى أنا بما إن بابا ماسك القضية !! لا لا ماظنش دى فعلا فاقدة الذاكرة بس ليه لا .. فضلت تكرهنى وتشككنى فى رماح وفى الآخر طلع برىء وقبض على بتوع المخدرات طب ايه !! أنا مابقيتش فاهم حاجة خالص
نفض تلك الأفكار عن رأسه وهاتف نيران على الفور فأجابته بصوت حذر :
- مين ؟ دكتور طيف !
ارتسمت إبتسامة على ثغره وهو يجيبها :
- أيوة أنا طيف ، ازيك يا نيران عاملة ايه؟

أجابته بنفس الوجوم :
- الحمدلله
تابع بعد أن تنحنح :
- احم .. أسف إنى ماقلتش ليكِ إنى مش هاجى العيادة الفترة اللى فاتت ، كل حاجة حصلت بسرعة ومالحقتش حتى أبلغ صاحبى غير بتليفون
- لا عادى مفيش حاجة أنا بس استغربت إنك اختفيت مرة واحدة بس ايه سبب الإختفاء ده؟
أجابها طيف وهو يحاول إنهاء تلك المكالمة بعد أن ظهر رقم صديقه المقرب مازن على شاشة هاتفه :
- هعرفك كل حاجة فى العيادة النهاردة .. الساعة 7 بليل كويس ؟

صمتت قليلًا ثم تابعت :
- امم خلاص تمام
- تمام باى
- باى

أنهى المكالمة وأجاب على صديقه ليصيح بسعادة :
- مااازن واحشنى ياض والله أوى
تحدث مازن بلهجة عتاب :
- بقى تدخل شرطة كدا وتختفى شهرين من غير أى حس ، حتى مابلغتنيش قبلها ؟
ضحك ليبرر موقفه قائلًا :
- والله كل حاجة جت على سهوة .. ياابنى الفكرة جتلى بالليل .. تانى يوم الصبح كنت هناك ، ده أنا أستحق جايزة نوبل فى سرعة إتخاذ القرارات ... صحيح افتكرت أنتَ إجازتك النهاردة صح.

أجابه مازن بتأكيد :
- أيوة النهاردة اشمعنى
تابع طيف بحماس :
- أنتَ تقوم تلبس وتيجى كدا علشان أنتَ معزوم عندى النهاردة .. الحاجة أسماء عاملة محشى ورق عنب وبط من اللى قلبك يحبهم وبالمرة أحكيلك اللى حصل والدنيا ماشية ازاى
وافق صديقه على الفور وهتف قائلًا :
- اشطا .. مسافة السكة

وقفت فى الجهة المقابلة له وحدقت فيه بنظرات جامدة وهى تتابع حديثها :
- مش بس كدا ، أنتَ لازم تتوقع الغدر أو الهجوم عليك فى أى لحظة من اللحظات حتى لو ماشى بين ناس أنتَ متطمن ليهم ، لازم تكون مستعد لأى حاجة .. لازم تشوف من ضهرك .. مش لازم تشوف بعينيك بس لازم إحساسك وحواسك كلها تكون برا جسمك وبتحس بالمكان اللى أنتَ ماشى فيه
حرك رأسه بالإيجاب ليقول :
- تمام وبعدين.

تابعت ليان دون أن تحيد بعينيها :
- لازم يكون عندك رد فعل سريع جدًا وتقرأ الشخص اللى قدامك وتذاكره كويس وتفهم نقاط قوته وضعفه وده كله من غير ما ياخد باله من أى حاجة ، لازم تعرف إن الغلطة مهما كانت صغيرة مسئولة عن حياتك كلها والأهم من ده كله وهكررها تانى لازم تتوقع الضربة من أى حد وفى أى لحظة.

وما إن أنهت كلامها حتي فاجئته بلكمة شديدة فى وجهه فتراجع على إثرها للخلف وهو يمسك بوجهه متألمًا ، فصاح بغضب :
- ااااه أنتِ بتضربى ليه دلوقتى !!
تابعت بنفس جمودها القاتل :
- قلتلك تتوقع الضربة من أى حد وفى أى وقت
تقدم غيث مرة أخرى ليقف مقابلًا لها وهو يقول :
- تمام بس خفى عليا شوية.

أكملت حديثها بجدية واضحة :
- الأهم من إنك تسمع هو إنك تنفذ ، إنك تقول ماشى تمام سهل بس إنك تعمل ده هو اللى مش سهل ثم لكمته مرة أخرى لكن تلك المرة تصدى ليدها وأمسكها بقوة فابتسمت بإعجاب لتضيف :
- برافو عليك يا غيث ودلوقتى ندخل فى المرحلة التانية ودى أصعب بكتير .. جاهز ؟
تردد فى الرد عليها لكنه فى النهاية حرك رأسه بالإيجاب ليقول:
- جاهز...
رواية بنت القلب للكاتب عبد الرحمن أحمد الفصل الثامن

رن جرس المنزل فأسرع طيف إلى الباب لأنه يعلم بحضور صديقه مازن وبالفعل وجده أمام الباب فضمه باشتياق قائلًا :
- مازن ليك وحشة يا جدع
ربت مازن على ظهره وهو يقول:
- وأنتَ كمان والله يا طيف ، حمدلله على سلامتك يا وحش
ابتعد عنه ليقول بإبتسامة :
- الله يسلمك ، ادخل ادخل ايه البرد اللى برا ده.

دلف مازن إلى الداخل وهو يقول :
- أمال فين سيادة اللواء
أجابه طيف وهو يغلق الباب :
- راح على المديرية ياعم .. الساعة دلوقتى 10 الصبح
خرجت "أسماء" بعدما ارتدت حجابها وهتفت قائلة :
- ازيك يا مازن يا حبيبى نورت البيت والله
ابتسم مازن وهو يجيبها :
- بنورك يا أمى والله ، الله يخليكِ
تابعت لتقول بإبتسامة :
- اطلعوا والأكل مش هيطول إن شاء الله هيخلص على طول.

ابتسم مازن ليقول باحترام :
- براحتك يا ست الكل
صاح طيف :
- لا براحتك ايه بسرعة يا ماما بالله عليكِ أحسن بقالى شهرين معدتى مادخلهاش أكل حلو
ربتت أسماء على كتفه لتقول بحنو :
- يا حبيبى ياابنى .. حاضر متقلقش .. على طول.

صعد مازن بصحبة طيف إلى شقته بالأعلى ، اقترب طيف وفتح الباب بهدوء ثم نظر إلى مازن وأردف مازحًا :
- ادخل برجلك اليمين وسمى قبل ما تدخل أصل مدخلتهاش من شهرين وزمانها اتسكنت أشباح وعفاريت
نظر إليه مازن بتوجس فهو يخاف كثيرًا من الأشباح ويخفق قلبه عندما تتردد سيرتهم حوله ، أردف بقلق :
- ايه يا طيف اهدأ عليا كدا عفاريت ايه وبعدين احنا الصبح.

ابتسم طيف ليتابع بعد أن ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه :
- اديك قلت احنا الصبح يعنى ميعاد نومهم نقوم احنا داخلين الشقة ونقلق نومهم تخيل رد فعلهم بقى
لوح بيده فى الهواء وهو يتراجع إلى الخلف وردد بحنق :
- لا ياعم ، تعالى ننزل تحت أحسن
ضحك طيف بصوت مرتفع وتقدم ليسحبه من يده كالأطفال وهو يقول :
- تعالى ياعم ده أنا لو برعب ابن أختى مش هيخاف كدا.

تقدم مازن ودخل إلى الشقة بحذر وهو ينظر إلى الأعلى فلاحظه طيف ورجع ليسحبه من يده مرة أخرى وهو يردد :
- يلا يا مازن متخافش محدش هينط عليك من السقف ، خسارة المهندسين
نظر إليه مازن بنصف عين وأردف :
- اهدأ كدا وخف عليا مش ناقصك أنتَ كمان
ضحك طيف وخبط بكفه على كفه الآخر ليقول :
- حاضر يا سيدى قلى بقى ايه الأخبار بينك وبين نامى ، لسة فعل أمر ولا بقت ماضٍ ونامت الحمدلله ؟

ارتفع حاجبيه ليردد :
- وحشنى قلشاتك الغريبة .. لا غريبة فعلًا
ابتسم وربت على كتفه قائلًا:
- حبيبى يا أبو المزاميز ، قلى بقى الفرح هيبقى الشهر الجاى ولا اللى بعده .. اصدمنى وقلى كمان أسبوعين
حرك رأسه بالنفى بعد أن اختفت إبتسامته وأردف باستياء :
- أنا ونامى سيبنا بعض وفسخنا الخطوبة
فغر شفتيه بصدمة بعد أن ارتفع حاجبيه للأعلى وردد بعدم تصديق :
- ايه !! سيبتوا بعض ليه ؟ ياابنى أنا كل ما أسألك أنتَ وهى عاملين ايه الاقيكم متخانقين يا إما فسختوا الخطوبة ؟ متحسسونيش إن الغلط منى أنا.

ابتسم مازن إبتسامة خفيفة ثم تابع :
- نامى متنفعنيش ، كل يوم نكد على قرف ورغم كدا كنت بعاملها كويس وبعمل أى حاجة علشان أضحكها ولما الاقيها بتتصرف تصرف مجنون أقولها كدا غلط تقولى مالكش دعوة وخليك فى حالك دى حياتى !! مش المفروض مخطوبين وهنبقى لبعض يعنى تهمنى ؟ بقت غريبة شايفة نفسها وبس .. المشاعر بقت هى اللى بتمشيها مش عقلها ، كذا مرة الاقيها بترد على شباب ولما أسألها بتقولى أنا أدمن فى بيدج روايات وبيسألوا على ميعاد الرواية وكذا .. ماعترضتش لكن إنها تطنشنى خالص علشان تكمل الرواية !! ده أنا فى عيد ميلادها جبت هدية وقلتلها أنا عازمك على العشاء علشان أديها الهدية قالتلى أنا بقرأ رواية ولسة مخلصتهاش وماجتش !! عايزنى بعد ده كله أكمل معاها ؟

ربت طيف على كتفه محاولًا تهدئته وتحدث بهدوء :
- اهدأ يا مازن ، معظم البنات كدا .. هم دماغهم كدا غريبة وعندهم طولة بال رهيبة يعنى مثلًا مين فاضى يقرأ روايات ولا يكتب روايات .. كلهم ناس فاضية يا إما بيهربوا من مشاكلهم والواقع بتاعهم بإنهم يقرأوا روايات أو يعملوا حاجات تانية
ثم ابتسم وتابع :
- عاجبك كدا ادينى بقيت أقول حكم ومواعظ
ضحك مازن قبل أن يهتف بغمزة :
- طيب ياعم الحكيم مفيش قطة كدا ولا كدا خطفت قلبك !

حرك رأسه بالإيجاب ليقول بجدية واضحة بعد أن ارتسمت إبتسامة على ثغره :
- طبعًا فيه
تعجب مازن ليقول بلهفة :
- مين القطة دى ؟
ابتسم طيف وتابع :
- القطة المشمشية اللى بتظهر على الفيس بوك وبتعيط دى عارفها ؟

ضم ما بين حاجبيه ليقول متعجبًا :

- نعم !! أنا أقصد واحدة ست يا زفت أنا مالى ومال القطة المشمشية اللى بتعيط ؟
انتبه وخبط ببطن يده على مقدمة رأسه وهو يقول :
- اخ .. يا جدع ما تقول بنى آدمة افتكرتك بتتكلم عن القطة بجد ، لا ياعم مفيش قطة خطفت قلبى وبعدين هحب ازاى وأنا فى كلية الشرطة ، أنتَ عبيط ياض !!

كان نائمًا حينما ألقت عليه وعاء كبير ملىء بالمياه المثلجة فهب من نومه يصرخ :
- اعااااا
ثم وجدها هى تقف أمامه وتعابير وجهها جامدة غير متأثرة فصاح بغضب شديد :
- أنتِ غبية !! حد يرمى على حد تلج كدا وهو نايم ؟
أجابته بنفس الجمود المسيطر على وجهها :
- المرحلة التانية من التدريب دلوقتى ، قوم يلا وحصلنى على برا
ضم ما بين حاجبيه ليقول بضجر :
- مرحلة تانية ايه !! ما أنا بتدرب طول اليوم ودلوقتى الساعة 2 بالليل عايز أنام والجو برا تلج تدريب ايه فى الوقت والجو ده ؟
تابعت دون أن تطرف عينيها :
- أنا مستنياك برا ، مش هكررها تانى.

وتحركت إلى الخارج ليبقى غيث وحده لا يستطيع التفكير ، ليس بيده حيلة ولا يعلم لماذا كل تلك التدريبات الشاقة ، لم يظن يومًا بأنه سوف يصل إلى هذا الطريق دون تمهيد فهو كان فى طريقه إلى منزله فى يوم من الأيام لكنه فوجئ بأشخاص تكبل يده وآخرون يقومون بتخديره حتى فقد الوعى تمامًا ليستيقظ هنا فى هذا المكان الغريب لا يعلم أين هو ولماذا هو دون عن غيره !!

أسئلة كثيرة تدور برأسه لكنه فى النهاية استجاب لطلب ليان وقام بتبديل ملابسه وخرج ليجدها بانتظاره فى الهواء الطلق ، كان المكان أشبه بالصحراء لكن هناك خيمة كبيرة على شكل مركز تدريب قوى وضخم ...
كان الهواء شديد للغاية وبارد إلى حد كبير فكانت درجة الحرارة أقل من الصفر !!
خرج غيث وهو يفرك بيده كثيرًا ويتحرك بصعوبة بسبب برودة الجو ، وقف أمامها متحدثًا :
- أدينى جيت ، هاا.

ابتسمت لتقول بوجهها الجامد ذو الملامح المتجمدة :
- اقلع هدومك
فغر شفتيه بصدمة كبيرة ليصرخ قائلًا :
- نعم !!! أقلع ايه يا أختى ؟
تابعت بجدية تلك المرة بعد أن اختفت إبتسامتها :
- أنا كلامى واضح .. اقلع هدومك
حرك رأسه غير مصدق لما تقوله فصاح بغضب :
- أقلع ايه أنتِ مش شايفة الجو عامل ازاى !! ده أنا لابس وهتجمد تقومى قايلالى اقلع ؟

أجابته بعد أن أخذت نفس :
- دى مرحلة تدريب ولازم تخلصها ، ودلوقتى هتقلع هدومك بالذوق ولا بالعافية ؟
تردد قليلا لكنه استجاب لطلبها وخلع ملابسه بصعوبة ووقف وهو يضم يده على صدره من شدة البرد فتابعت بجدية :
- والبنطلون
فغر شفتيه غير مصدق لما تقوله فهتف مجددًا :
- لاااا .. كله إلا البنطلون ، تدريب ايه اللى هتدربه من غير بنطلون يا ليان !! اقصرى الشر كدا وسيبى الليلة تعدى على خير.

لم تستطع تلك المرة كتم ضحكتها فابتسمت لتضيف :
- متقلقش هو البنطلون بس ومش هتقلع حاجة تانية .. وعد
نظر إليها بنصف عين ليقول :
- طيب أما نشوف آخرتها
خلع بنطاله فابتسمت وهى تنخفض لتحمل وعاء كبير ملىء بالمياه الباردة وألقته بقوه شديدة عليه فصرخ بصوت عالٍ :
- يااااااااح يابنت المجنونة ، اهااااا
صاحت تلك المرة بجدية :
- اقف عادى بلاش الشغل ده.

هتف وهو يضم يده إلى صدره وجسده يرتعش من البرودة :
- لااا ما أنا مش أقلع هدومى ويترش عليا مياه متلجة فى الجو التلج ده وتقوليلى اقف عادى ، ده أنا ركبى بتخبط فى بعض
أغلقت عينيها لتتابع بهدوء :
- قوم اقف وخد نفس طويل .. حاول تحس بالهوا ، خليك جزء من الهوا ده ، هتلاقى نفسك جزء منه فعلًا والبرد مش مأثر فيك
نظر إليها بنصف عين وهو يقول :
- أنا سمعت فين الجملة دى قبل كدا !! اهااا فلاش .. سمعتها فى فلاش بس ساعتها كان بيخترق الحيطة أنا كدا هخترق قوانين الطبيعة .. جزء من الهوا ايه أنتِ بتهزرى ؟

حركت رأسها بالنفى لتردد بهدوء شديد :
- جرب بس .. حاول خد نفسك عادى وبعد كدا خد كذا نفس طويل ورا بعض .. استلقى الهوا بجسمك وحس بيه وسيب نفسك خالص
رفع حاجبه متعجبًا ثم أضاف :
- آخد كام نفس طويل ؟ هى سيجارة !! طيب ربنا يستر
ثم حل ذراعيه وفردهما فى الهواء الطلق وأخذ يتنفس بهدوء ونفذ ما طلبته منه .. كان الأمر فى البداية شديد الصعوبة لكنه بدأ فى التأقلم وبدأ هذا الهواء لا يشكل مصدر إزعاج له بل تقبله بغير برودة وكأن درجة الحرارة طبيعية !!

ارتسمت إبتسامة على وجه ليان ورددت :
- برافو غيث ، دلوقتى تقدر تروح تكمل نومك
هتف بضيق :
- نوم ايه ماخلاص طيرتى النوم من عينى يا شيخة ...

فى وقت سابق ،،

- ها قلت ايه فى العرض بتاعى ؟
قالها خالد السنباطى مبتسمًا بعدما أنهى سرد خطته على وائل الذى تردد كثيرًا هل يقبل أم يكمل طريقه ويقوم بقتله وقتل البقية !!
ظل يجوب بنظراته المكان وهو يفكر بإمعان شديد حتى ابتسم وتكلم بهدوء :
- موافق بس بشرط
ارتشف الخمر من كأسه وارتفع حاجبيه وهو يقول :
- شرط ايه ؟
تابع وائل بنفس الإبتسامة :
- تعرفنى على أكبر رأس فيكم ومش بس كدا ، تسفرنى برا مصر وأتابع الشغل من هناك بعد ما العملية تتم.

ترك كأسه وحرك رأسه بالإيجاب ليقول :
- وهوَ كذلك ، بكرا جهز نفسك علشان تقابل أكبر رأس فينا بس خلى بالك ... ده ماعندوش هزار ، لو فكرت مجرد تفكير بس إنك تعمل أى حاجة هيخلص عليك وأنتَ بتفكر لسة مانفذتش حتى
هز رأسه بعد أن وقف واستعد للرحيل :
- متقلقش ، أنا مش غبى للدرجة دى .. هستنى تليفون منك ، تشااو.

ترك الطعام واتجه إلى الحمام ليغسل يديه فصاح طيف :
- ايه يا ابنى دى مش أكلتك قمت ليه ؟
أجابه مازن من الداخل بصوت عالٍ :
- مش أكلتى ايه يا عم ده أنا واكل تقريبًا حلة محشى ، أنا هيطلعلى كرش
ضحك طيف وردد والطعام يملأ فمه :
- وماله ياعم الكرش مش عيب ، على رأى المثل .. يا محافظ على رشاقة جسمك بكرا القبر يتفتح ويستلقى كرشك.

جاء مازن من الداخل ورفع حاجبيه بتعجب وأردف :
- يخربيت أمثالك يا أخى جبت المثل ده منين؟
ابتسم طيف وهو يضع ملفوف "ورق العنب" فى فمه ويقول :
- مش مهم منين ، المهم العبرة
جلس وألقى عليه المنشفة وهو يقول :
- طب كفاية أكل يا بتاع العبرة أحسن يطردوك من الشرطة بعد ما كرشك يدلدل
- طيب يا سيدى هقوم أهو ، على عينى والله بس نعوض فى العشا.

فغر شفتيه بصدمة ليقول :
- يخربيتك يا جدع ، صحيح ماقلتليش أنتَ واخد إجازة كام يوم
أشار طيف بيده ليقول :
- أربعة ، أربع أيام وهرجع شهر وهنزل يومين وإلخ
هز رأسه بتفهم ليضيف :
- اهااا ربنا معاك.

انتهى طيف من تناول الطعام ودلفت رنّة بكوبين من الشاى فابتسم مازن وأردف :
- تسلمى يا رنّة ، عاملة ايه فى المذاكرة
عبس وجهها ونطقت بضيق :
- زفت الزفت ، المواد صعبة جدًا
حرك وجهه بالإيجاب وهو يضيف :
- المواد صعبة بس أنتِ اتجدعنى وإن شاء الله تبقى دكتورة زى أخوكى
حركت رأسها لتردد بهدوء :
- أنا علمى رياضة مش علوم.

ارتفع حاجبه بدهشة ثم نظر إلى طيف لينطق متسائلًا :
- ايه ده هى رنّة علمى رياضة !!
خبط بيده على يده الأخرى قائلًا :
- اه تخيل ، كلنا كنا علمى علوم إلا الهانم دخلت علمى رياضة قال ايه علشان بتحب الرياضة .. يا شيخة حبك برص هو في حد بيحب الرياضة
نظرت له شزرًا لتقول بعد أن التوى ثغرها :
- على أساس اللى دخلوا طب ولعوا الدنيا
رفع حاجبيه بصدمة وهو يقول :
- ايه قصف الجبهة ده يا رنّة ده أنا أخوكى حبيبك برضه ، ماشى أنا زعلان وهروح أخدلى طلقة هناك علشان أموت وأنا مش راضى عنك.

ضحك مازن من طريقته فاقتربت رنّة من طيف وأردفت :
- ايه يا طيف اللى بتقوله ده بعد الشر عنك ، أنا بهزر يا أخى
هز طيف حاجبيه بمرح ليقول مازحًا :
- ما أنا كمان بهزر يا نغمة

فى تلك اللحظة رن جرس المنزل فأسرعت تنّة لتفتح الباب بعد أن علمت من ينتظر خلف الباب .. زوجها الذى غاب عنها أكثر من تسعة أشهر ، فتحت الباب بلهفة فاقترب منها ببطء فارتمت بين ذراعيه بعينان دامعتان
- وحشتنى أوى يا باسل ، وحشتنى أوى
ابتسم باسل بعد أن ربت على رأسها وهى ما زالت تضع رأسها على صدره وأردف بحب :
- وأنتِ والله يا تنّة ، ربنا يعلم وحشتينى اد ايه.

جاء صوت طيف الذى حضر على الصوت :
- يااااه باااسل كفارة يا جدع
ضحك باسل واقترب منه ليصافحه ويتبادلون الأحضان وحضرت أسماء على الصوت فصاح باسل وهو يقترب منها :
- حماتى ازيك
ثم قبل يدها وتابع :
- وحشتينى والله
ابتسمت أسماء بعدما ربتت على كتفه بحنو قائلة :
- وأنتَ يا ابنى والله ، حمدلله على سلامتك.

ظلوا يتبادلون الحديث والسلام حتى صاح طيف بنبرة مرحة :
- حماتك بتحبك ياعم ، حظك إنك جيت فى اليوم اللى جيت فيه من كلية الشرطة وفي محمر ومشمر
ضحك باسل ثم تابع بتساؤل :
- بس ايه حكاية كلية الشرطة دى ؟
وقف طيف ليصعد إلى صديقه مرة أخرى وأردف :
- دى حكاية طويلة ، ريح أنتَ بس من السفر وبالليل لينا قعدة
هتفت تنّة بجدية وهى تربت على ظهره :
- اطلع يا باسل خدلك دش كدا وأنا هحضرلك الأكل وأطلعهولك
ابتسم باسل وهو يربت على ظهرها قائلًا :
- طيب يا حبيبتى.

عاد طيف إلى صديقه مازن وصعد باسل إلى شقته فهى خاصة به هو وزوجته تنّة لكن عند رحيله تنتقل رنّة للبقاء مع شقيقتها فى تلك الشقة ..

انتهى باسل من حمامه وخرج ليجد تنّة أنهت تحضير الغداء فابتسم قائلًا :
- تسلم ايدك يا حبيبتى
اقتربت منه وهى تقول :
- الله يسلمك يا حبيبى ، قلى بقى مالك متغير كدا من ساعة ما جيت ، حساك تعبان أو في حاجة
تبدلت ملامحه وحاول إخفاء ما به ليقول مازحًا:
- حاجة ايه يا قلبى ، أبدًا مفيش بس السفر بقى وتعبه .. مش هناكل يا قمر بقى ولا ايه؟

هتفت بسعادة لتجيبه :
- لا هناكل طبعا يا حبيبى ، يلا الأكل جاهز
اقترب باسل من السفرة وما يدور برأسه ليس له حل ، كيف سيخبرها بما جاء لأجله ! كيف سيخبرها بزواجه ؟
لم يعرف باسل طريقة للإجابة عن تلك الأسئلة فقرر ترك هذا الأمر ليوم آخر...
رواية بنت القلب للكاتب عبد الرحمن أحمد الفصل التاسع

أصر مازن على الرحيل فوافق طيف وأوصله إلى الخارج ثم عاد إلى والدته وربت على كتفها قائلًا :
- تسلم ايدك يا قمر أنتِ، الأكل تحفة
ابتسمت أسماء ثم ربتت على رأسه بحب وحنو لتقول :
- مطرح ما يسرى يمرى يا حبة عين أمك
ابتسم طيف وهب واقفًا ليقول بجدية :
- أنا هطلع أريح شوية وعايزك تصحينى على الساعة 5 كدا علشان رايح مشوار الساعة 7
هزت رأسها بالإيجاب لتجيبه مبتسمة :
- ماشى يا حبيبى ، اطلع ريح وأنا هصحيك

- لازم يكون عندك ضربة مضادة لأى ضربة تيجيلك ، بمعنى لازم تتوقع الضربة وهتبقى فى أنهى مكان فى جسمك وفى نفس الوقت لازم تصدها ..
قالتها ليان وهى تتحرك ذهابًا وإيابًا فى ساحة التدريب الكبيرة فهتف غيث بعدم فهم :
- مش فاهم قصدك ! هتوقع الضربة ازاى ؟
توقفت ونظرت إليه بجمود وهى تجيبه :
- بالتدريب ، هتتوقع بالتدريب.

ثم اقتربت منه حتى أصبحت مواجهة له وأردفت بجدية :
- أنا دلوقتى هضربك ضربة ولازم تتوقعها كويس
ضم حاجبيه ليقول بقلق :
- طب خفى ايدك بالله عليكى أحسن ايدك تقيلة أوى
أسرعت بلكمه لكمة قوية وهى تضيف :
- قلتلك تتوقع الضربة جاية امتى وفين وتصدها
وقف تلك المرة بجمود بعد ما توعد لها وهتف بحماس :
- أنا جاهز.

لم تنتظر وجاءت لتلكمه لكنه صد لكمتها وقبض على يدها بإحدى يديه فقفزت فى الهواء وركلته بقوة بقدمها فى صدره ليقع متألمًا على الأرض
وقفت وتابعت بجمود وجدية حادة :
- مش لازم تكون ضربة واحدة بس ، متفتكرش بإنك لو صديت الضربة يبقى كدا خلاص ، الضربة التانية بتبقى أقوى من الأولى بمراحل .. لما تصد الضربة الأولى لازم تكون جاهز أكتر للضربة التانية لأن أى حد فاهم بيضرب الضربة الأولى خفيفة علشان اللى قدامه يتطمنله وبعدين يضرب الضربة التانية وساعتها دى بتكون الضربة اللى بجد ، قوم يلا واستعد
فرك غيث صدره بألم وهو يتمتم :
- دى شكلها هتهرينى ضرب النهاردة ،ربنا يستر
صاحت بصوت مرتفع :
- قووم !!!

مرت الساعات وصعدت أسماء إلى الأعلى لتوقظ ولدها ، دلفت إلى غرفته واقتربت من سريره وهزته برفق وهى تقول :
- طيف !! طيف ! .. يا طيف
فتح طيف عينيه نصف فتحة ليقول بنبرة نائمة :
- اممم .. أيوة يا ماما
تابعت أسماء بحب :
- قوم يا حبيبى الساعة بقت 6
فتح طيف عينيه واعتدل ليقول بتعجب :
- ايه 6 !! مش قلتلك 5 يا ماما ؟

ابتسمت أسماء وربتت على كتفه بحب قائلة :
- الساعة دلوقتى 5 يا حبيبى ، قلتلك كدا علشان تصحى
ابتسم طيف بعد أن قبل يدها وأردف :
- طيب يا ست الكل تسلميلى ، هقوم آخد دش وأنزل على طول
ربتت أسماء على يده لتقول :
- ماشى يا ضنايا ، تروح وترجع بالسلامة.

نهض طيف بتثاقل واغتسل ثم ارتدى ملابسه وكانت عبارة عن بنطلون جينز اسود وقميص أبيض فوقه الجاكيت وضع عطره ثم نزل واستقل سيارته واتجه إلى العيادة الخاصة به ...

وصل طيف إلى العيادة وكانت الساعة السادسة والنصف ، صعد إلى الأعلى وفتح الباب وبدأ يتذكر ذكرياته مع هذا المكان الذى طالما تمنى منذ صغره أن يعمل به ويصبح طبيبًا فى هذا المجال لكن سرعان ما تلاشى كل شىء ..
ابتسم وهو يتفحص المكان بعينيه وفجأة وُضعت يد على كتفه من الخلف فصرخ وهو يلتفت ليجدها نيران فالتقط أنفاسه وهتف بعتاب :
- ايه ده يا نيران أنا قطعت الخلف ، مفيش يا ساتر ولا احم حتى.

ابتسمت نيران لتقول بلطف واعتذار :
- أسفة ماقصدش
أشار طيف بيده لتجلس فنفذت واتجه هو الآخر الى المكتب ليجلس أمامها مباشرة ، ابتسم بخفة ليقول معتذرًا :
- أسف سافرت كدا وكان في ميعاد ما بينا بس كل حاجة جت بسرعة
حركت رأسها بتساؤل :
- ليه حصل ايه يا دكتور ، وايه الغيبة الطويلة دى أنا قلت أنتَ هاجرت ولا حاجة
ضحك طيف وبدأ فى سرد ما حدث عليها وأنهى حديثه قائلًا :
- بس كدا وأدينى أهو أربع أيام إجازة.

فغرت شفتيها بصدمة غير مصدقة لما يقوله طيف وأردفت بتساؤل :
- شرطة ؟؟ يعنى أنتَ مش هتبقى دكتور تانى !
حرك طيف رأسه بالنفى قائلًا :
- لا هبقى ظبوطة عقبال عندك ، صحيح ايه الأخبار عندك والدنيا مشيت معاكى ازاى فى الشهرين اللى فاتوا دول
نظرت إلى الأسفل بحزن قائلة :
- أهو كنت عايشة.

رفع طيف حاجبيه إلى الأعلى ليردد بإبتسامة :
- لا لا مش وقت حمادة هلال خالص .. ما أنا عارف إنك كنتِ عايشة ، عايز تفاصيل ، الذاكرة هل في جديد أو حصل حاجة بينك وبين أهلك كدا يعنى
ابتسمت وبدأت فى سرد ما حدث خلال الشهرين الماضيين :
- العلاقة بينى وبين أهلى اتحسنت شوية وبقيت أتفاهم معاهم واحدة واحدة وبابا بقى يعاملنى بهدوء واتغير خالص الصراحة أما رماح بقى فهو هيموت علشان نرجع زى زمان مخطوبين بس أنا طبعا رافضة ، ساعات بيجيلى ومضات كدا إنى فى مكان واسع وماسكة مسدس وبطارد حد بس مش فاهمة ايه ده ، تقريبا الحلم ده بيجيلى كل يوم بس زى لحظة كدا.

ضم ما بين حاجبيه متعجبًا وأردف :
- ماسكة مسدس وبتطاردى حد !! ازاى يعنى
ضغطت على شفتيها لتقول بغموض :
- مش عارفة ، يادوب مكان ضلمة واسع زى شارع كدا وأنا ماسكة مسدس وبجرى وراه وبصحى على طول
حرك رأسه مستفهمًا :
- وأنتِ زمان ايه اللى يخليكى ماسكة مسدس ! حاجة غريبة
حركت رأسها بالإيجاب لتردد :
- فعلًا حاجة غريبة ومالهاش تفسير بس اتعودت على الأحلام دى خلاص.

رجع بظهره إلى الخلف وأردف بجدية :
- طيب أنتِ ناوية تعملى ايه ولا بتخططى لايه
رفعت كتفيها بعد ما لوت ثغرها بحزن وأردفت :
- مش عارفة ، هكمل حياتى خلاص عادى .. أنا خلاص اتأقلمت على الوضع الجديد
ضم ما بين حاجبيه ليقول متسائلًا :
- طب ورماح !
ابتسمت بسخرية وهى تردد :
- مش عارفة ، مش عارفة إذا كان برىء فعلًا ولا كان له دخل فى اللى حصلى زمان.

رسم طيف إبتسامة مصطنعة على ثغره وهو يقول :
- خير إن شاء الله ، معلش بقى بطلنا دكترة .. هنركز فى الشرطة
رفعت حاجبيها لتقول مبتسمة :
- عادى يا دكتور أنا خلاص مابقتش محتاجة دكتور نفسى ، أنا بقيت كويسة جدًا
وقف ليقول بنفس الإبتسامة :
- طب الحمدلله .. أشوف وشك على خير
وقفت نيران هى الأخرى لتمد يدها لمصافحته وهى تقول :
- اتشرفت بمعرفتك يا دكتور
- الشرف ليا يا نيران.

رحلت نيران وضيق طيف عينيه وهو يحدث نفسه بقلق :
- باين عليكِ الكذب أوى وأنتِ بتتكلمى !! المرة دى ركزت فى عينيكِ وأنتِ بتتكلمى وزى ما اتوقعت كلامك كله كدب حتى لما قلتِ مش عارفة إذا كان برىء ولا له علاقة باللى حصلى زمان اتوترتِ جامد !! ياترى مخبية ايه عنى ، بابا شكله عنده حق بس أنا هعمل ايه ؟ ماظنش في حاجة تتعمل خلاص ...

كانت المعركة حامية بين غيث وليان التى كانت مدربة على أكمل وجه وكانت تصد الضربة وتضرب أخرى فى نفس الوقت وأخيرًا أوقعته أرضًا للمرة الرابعة ثم هتفت بإبتسامة هادئة تلك المرة :
- حلو أوى ، المرة دى تعبتنى .. قوم يلا
وقف غيث وهو ينفض الأتربة من على بنطاله فانطلقت بسرعة شديدة لتركله لكن اعتدل غيث بحركة أسرع وأمسك بقدمها ليصد ضربتها وهو يقول :
- مش كفاية ضرب كدا ونروح ناكل لقمة ولا ايه ! أنا على لحم بطنى من الصبح.

ثم ترك قدمها فتقدمت بإبتسامة وهمست فى أذنه قائلة :
- طيب يلا علشان الأكل جاهز
ثم ربتت على ظهره وتحركت فى إتجاه المخيم الكبير
نظر إليها غيث وهو يعض على شفته السفلى ليقول :
- قمر بنت الايه.

نفض الغبار من على ملابسه وتحرك إلى الخيمة هو الآخر ليجدها بانتظاره وأمامها الطعام فسحب أحد الكراسى وتقدم ليجلس أمامها ، بدأ فى تناول الطعام لكنه لاحظ أنها تتابعه بنظرات غريبة فرفع حاجبيه ليردد بإبتسامة :
- أنتِ صايمة ولا ايه ، مش بتاكلى يعنى
ابتسمت بصفاء وأردفت بتساؤل :
- غيث هم ليه اختاروك أنتَ !
ضم ما بين حاجبيه ليقول متعجبًا :
- هم مين ؟

رفعت كتفيها لتقول بهدوء :
- مش هينفع أقولك بس أنا مستغربة ، ليه دون عن كل الناس اختاروك أنتَ ؟ ومتحاولش تسألنى لأنى مش هجاوبك
ترك الطعام ورجع بظهره إلى الخلف ونظر إليها بنصف عين وهو يقول :
- طيب هسهلها عليكِ ، احنا مع الطيبين ولا الأشرار
فكرت قليلا فى سؤاله لكن حركت رأسها لتقول :
- هتصدقنى لو قلتلك معرفش !

تعجب غيث من صراحتها وانفتاحها فى الحديث على عكس الأيام الماضية فهى كانت دائمًا خالية المشاعر ، قليلة الإحساس ، جامدة الوجه و غير محبة للحديث .. كانت وكأنها إنسان آلى لكن الآن مختلفة تمامًا عما مضى .. إبتسامتها مشرقة ، وجهها خالى من العبوث ، تضحك كثيرًا و تتحدث !!
ضمت ما بين حاجبيها لتردد باستفهام :
- مالك سرحت فى ايه ؟

عاد من شروده مرة أخرى ليرسم إبتسامة على ثغره ويقول :
- مش عارفة ازاى احنا مع الخير ولا الشر ! احكيلى أنا هنا ليه وأنا هفهمك لو أعرف حاجة
وقفت وأعطته ظهرها وتحركت خطوتين لتقول بتردد :
- ماينفعش يا غيث ، لازم متعرفش حاجة لغاية ما تخلص تدريبات
ثم التفتت لتنظر إليه قائلة :
- أوعدك بعد ما التدريبات تخلص هفهمك أنتَ هنا ليه وعلشان ايه بس تساعدنى .. موافق ؟
ابتسم لها بلطف وأردف :
- موافق

دلف إلى داخل قصر كبير بصحبة خالد السنباطى وأخذ ينظر حوله حتى نكزه خالد قائلًا :
- أعرفك بدكتور قاسم ، اللى كنت عايز تتعرف عليه
نظر وائل أمامه ليجد رجلًا يظهر عليه الشموخ والكبرياء وحوله الكثير من الحرس الخاص به فردد بقلق :
- أهلًا يا دكتور ، أنا ...
تحدث قاسم بكبرياء مقاطعًا وائل :
- وائل محمد خالد الأيمن ، اشتغلت فى كذا مجال لكن فشلت وبعدها قررت تشتغل فى الممنوع علشان تعيش .. قتلت مراتك بعد موت ابنك وقررت تقتل كل اللى كان له علاقة بشغلك الممنوع ده ..
رفع وائل يده ليتحدث :
- أنا ...

قاطعه قاسم مرة أخرى بتعالٍ :
- مشكلتك يا وائل إنك فاكر نفسك ذكى وفاكر إنك هتقدر تعمل اللى فى دماغك .. أنتَ كنت تحت عينى طول الفترة اللى فاتت بس سيبتك بمزاجى ، أولًا الفهد خان اللى بينا فسيبتك تخلص عليه ثانيًا مش هتعرف تخلص على حد تانى طول ما أنتَ تحت عينى ... دلوقتى خالد فهمك اللى هيكون بينا ، ناوى تنفذ وننسى كل اللى فات ولا أخلص عليك وساعتها يبقى أنتَ ماطولتش شامى ولا مغربى.

تردد كثيرًا فى الرد حتى تأكد من إنهاء قاسم حديثه فهتف بثقة :
- أولًا الشغل ده اللى بعدنى عن ابنى وخلى مراتى تقتله ففكرت التفكير ده .. الفهد يستحق ودى خلصنا منها ، أنا مش هطلب منك تثق فيا بس كل اللى هقوله إنى فكرت تانى واكتشفت إنى حسبتها غلط وإنى من اللحظة دى الراجل بتاعك ... طبعا أنتَ مش هتثق فيا بس عايز الشغل بينا هو اللى يثبت وأهمها العملية اللى كلمنى فيها خالد ، كل اللى بطلبه منك حاجة واحدة بس
حرك قاسم رأسه ليقول متسائلًا :
- حاجة ايه.

تابع وائل بجدية :
- الأمان ، عايزك تضمنلى الأمان
ابتسم قاسم بتعالٍ شديد ليردد :
- أنتَ فى أمان طول ما دماغك بتفكر صح ، وقت ما دماغك تفكر غلط ساعتها ماضمنلكش الأمان
ابتسم بثقة وأردف بهدوء :
- وهوَ كذلك ، أنا جاهز للعملية ...

ظل جالسًا فى مكتبه لأكثر من ساعة يفكر ولم يصل لشىء واضح فقرر نسيان الأمر والتركيز على ما هو مقبل عليه فهذا الأمل لا يعنى له شيئًا ، كان ماضٍ يخص عمله السابق فلا داعى للإفراط فى التفكير به
ترك كرسيه وأغلق العيادة وركب سيارته متجهًا إلى المنزل مرة أخرى لكن حدث ما لم يكن يتوقعه ، توقف محرك السيارة فحاول إدارتها مرة أخرى فلم تدور ، خرج منها ونظر إليها وهو يتمتم :
- مش وقتك خالص على فكرة ، وجاية تعطلى فى الشارع الضلمة ده !! ربنا يستر مايطلعليش عفريت من هنا ولا هنا.

فتح مقدمة السيارة وفرك برأسه وهو ينظر إلى أجزائها ليحاول معرفة ما بها وظل على تلك الحالة لأكثر من عشر دقائق وفجأة وضعت فتاة غاية فى الجمال يدها على ظهره فصرخ بصوت مرتفع والتفت ليجدها أمامه فابتسم :
- أنتِ عارفة لو كنتِ حد تانى كنت عاتبتك على الخضة دى يا أنسة
ابتسمت بهدوء لتقول :
- أنا شايفاك من ساعة ما العربية عطلت فقررت أجى أساعدك.

ضم ما بين حاجبيه ليقول متسائلًا:
- شايفانى منين لا مؤاخذة ده المكان مقطوع وكله حتت زراعية
ابتسمت بطريقة مريبة أخافته ورددت :
- اه ما أنا كنت قاعدة فى الزرع هناك
تذكر فى تلك اللحظة جميع قصص وروايات الرعب التى قرأها وصاح بخوف :
- بالله عليكِ اوعى تكونى النداهة ، أنا غلبان والله .. بصى خدى العربية بس سيبينى أعيش
ضحكت من طريقته وأضافت :
- نداهة ايه شكلك بتتفرج وبتقرأ رعب كتير.

نظر إليها بقلق وهو يردد :
- والله على حسب ما حضرتك تحبى .. أحيييييه لا استنى أنا قرأت إن النداهة بتطلع أكتر للدكاترة وأنا دكتور ... أبوس ايدك أنا غلبان وبجرى على يتامى .. ده .. ده أنا كنت رايح أبيع العربية بس .. بس
رفعت حاجبيها لتردد بإبتسامة هادئة :
- أنتَ متوتر وخايف كدا ليه أنا مش النداهة والله ، أظن مفيش عفريتة بتحلف
نظر إليها بنصف عين قائلًا :
- اممم صح مفيش عفاريت بتحلف بس ايه اللى مقعدك يعنى فى الزرع ده !! قاعدة ترعبينى لما أجى صح ؟ ما اللى عملته فى مازن الصبح هيطلع عليا.

ضحكت بصوت مرتفع من طريقته الغريبة وهتفت :
- مش ممكن أنا ماضحكتش كدا فى حياتى ، أنا ياسيدى أبقى بنت صاحب الأراضى دى كلها وعادى باجى اتمشى فى الزرع وأسرح شوية وشوفتك قلت أما أساعدك
لوح بيده فى الهواء وهو يردد :
- والله تبقى ساعدتينى بجد لو قلتيلى على أقرب ميكانيكى هنا
حركت رأسها وهتفت قائلة :
- للأسف مفيش ميكانيكى قريب من هنا
نظر إليها طيف بقلق وهتف بخوف :
- أمال هتساعدينى ازاى يعنى ؟إنى أوصل للآخرة بدرى صح !! يالهوى على حياتك اللى هتضيع يا طيف ده أنتَ لسة فى عز شبابك.

ضحكت مرة أخرى وأردفت :
- ياسيدى مالك خايف كدا ليه والله أنا بنى آدمة عادية ، أنا بفهم فى العربيات وكدا وهعرفلك الغلط فى ايه وسع أنتَ بس كدا
نظر إليها ثم نظر إلى سيارته وتحرك ليتيح لها فعل ما تريده فتقدمت وانخفضت لتفحص السيارة وبعد عدة دقائق نظرت إليه قائلة :
- معاك عدة هنا علشان أعرف أفك الحاجة دى !!
حرك رأسه بالإيجاب وتحرك إلى السيارة وجذب صندوق صغير وتقدم إليها وهو يردد :
- خدى ، كل حاجة هتلاقيها عندك.

ابتسمت وتناولت منه الصندوق الصغير وبدأت فى حل عقدة الكثير من الأشياء وفحصها وظلت على حالتها لأكثر من نصف ساعة وظل طيف يتابعها بتعجب من سرعتها وفهمها وأخيرًا أغلقت الغطاء ونظرت إليه بإبتسامة هادئة قائلة :
- دور بقى كدا
انطلق إلى سيارته وقام بإدارتها وفؤجى بدوران المحرك وعملها فابتسم ونظر إليها بعدما خرج من سيارته وأردف :
- الله ينور يااسطى .. لا عااش بجد ، بس ايه الشطارة دى ؟
ضحكت وأردفت بهدوء :
- عادى ده سهل بالنسبة ليا ، أصل أنا خريجة هندسة ميكانيكا.

فغر شفتيه بصدمة ليقول بعدم تصديق :
- لا بجد !! ما شاء الله
ثم نظر إلى ملابسها ولاحظ إتساخها وتشحمها فصاح بقلق :
- يالهوى هدومك باظت ، أنا اسف على البهدلة دى بقى
نظرت إلى ملابسها ثم نظرت إليه ورسمت إبتسامة خفيفة قائلة :
- لا عادى مفيش حاجة المهم إن العربية اتصلحت ، أى خدمة.

ابتسم طيف وتقدم ليقترب منها وهو يقول :
- شكرا يا هندسة على المساعدة دى ، لولاكى كان زمانى بعيط هنا وأنا مستنى مازن يجى ياخدنى
ضحكت بصوت مرتفع فتابع :
- يلا الحمدلله ، متعرفناش .. أنا طيف دكتور نفسى ومشروع ظابط شرطة
رددت بنفس الإبتسامة الهادئة :
- وأنا فاطمة مهندسة ميكانيكا ومشروع نداهة...
رواية بنت القلب للكاتب عبد الرحمن أحمد الفصل العاشر

رددت بنفس الابتسامة الهادئة :
- وأنا فاطمة مهندسة ميكانيكا ومشروع نداهة
ضيق نظراته وهو يهتف بقلق :
- قولى إن دى دعابة وبتهزرى ومش مشروع نداهة بجد
ضحكت وخبطت بيدها فوق يدها الأخرى لتجيبه :
- ياسيدى أنا بهزر مالك خدت الموضوع جد كدا ليه
عادت الإبتسامة إلى وجهه مرة أخرى ليقول :
- طيب ياستى ، شكرًا على العربية وشكرًا على الرعب اللى رعبتيهولى، يلا همشى بقى.

ابتسمت وابتعدت من أمام السيارة وأشارت إليه قائلة :
- طريق السلامة
ركب سيارته وانطلق بها بعد أن رمقها بإبتسامة توديع وهتف بصوت خفيض :
- أيوة هى وقعت قلبى ورعبتنى بس قمر ، هو في مهندسات حلوين كدا !! ايه ده مالك يا طيف ازاى ماعرضتش عليها إنك توصلها لبيتها ده المكان مافيهوش بيوت خالص .. طب أرجع ولا ايه ؟ لا أحسن تكون النداهة بجد وتلاقينى جاى تقول ده أنتَ لقطة وتموتنى .. أنا أمشى أحسن.

- غيث ركز ، لازم تجمع كل تركيزك فى إنك تكشف اللغز .. أيوة احنا بنلعب بس اعتبره تدريب
قالتها ليان وهى تجلس أمامه ويلعبا لعبة لكشف الألغاز فهتف بثقة :
- عرفت ، هيبقى الطريق اللى فى اليمين أحسن علشان ده فيه منخفض واللى على الشمال فيه جبال وممكن يكون في حد مستخبى وراها
هتفت بإبتسامة هادئة :
- برااافو .. يلا قول لغز وأنا هحله.

ابتسم غيث وفرك برأسه ليفكر ثم تذكر شىء فأسرع قائلًا :
- ايه الحاجة اللى لو حطيناها فى التلاجة متسقعش !!
ضمت ما بين حاجبيها وأخذت تفكر فصاح بإبتسامة :
- ايه يا ليان مش عارفة تحلى اللغز أمال ايه ركز وتدريب
حاولت التفكير لكن لم تصل إلى إجابة فهتفت :
- لا مش عارفة الصراحة
ضحك بانتصار قبل أن يردد :
- الحاجة اللى لو حطيناها فى التلاجة متسقعش هو الفلفل الحار شوفتِ سهلة ازاى.

ضحكت وخبطت بيدها على يدها الأخرى لتقول مازحة :
- لا أنتَ شكلك عايز شوية ضرب من بتوع الصبح
- الله مش أنتِ اللى قلتى قول لغز بس عجبك متنكريش ، قولى أيوة بلاش تكبر بقى
ضحكت من طريقته التى طالما ميزته فهو يمزح دائمًا ولا يحمل العبء رغم ما يمر به وشردت لعدة ثوانٍ فهتف غيث :
- ليااااان !! روحتى فين ؟
فاقت من شرودها لتقول بإبتسامة :
- لا أبدًا كنت بفكر فى لغز
ظل الحديث بينهما قائم وكانت تلك الليلة فريدة من نوعها لأنها جمعت بين ضحكاتهم ولعبهم ومرحهم ...

مرت عشرة أشهر حدث خلالهم الكثير ...
كانت التدريبات أشد صعوبة عما مضى بالنسبة لغيث لكنه كان سريع التعلم خاصة وأن مَن تدربه ليان ذات الوجه الجميل والإبتسامة الصافية والمهارة القوية فى الدفاع عن النفس وأساليب القتال ، كانت التدريبات فى البداية جسدية ولكن انتهت بالتدريب على إلقاء الرصاص والتصويب وعدة مهارات أخرى ...

أصبحت نيران شخصية مرحة أكثر وأصبح حديثها مع الجميع أكثر ود وهذا ما أسعد عائلتها كثيرًا لأنها عادت نيران من الماضى وليست تلك التى فقدت الذاكرة لكن ما أراحهم حقًا هو عدم عودة الذاكرة إليها فهى تحمل ماضٍ أليم إليها ...
سافر باسل مرة أخرى ولم يخبر زوجته تنَّة بزواجه بسبب صعوبة هذا عليها وعليه أيضًا وقرر إخبارها لكن عند عودته المرة القادمة
نجحت رنّة بالثانوية العامة وحصلت علي مجموع 94% وهذا ما جعل جميع من فى المنزل سعداء وأطلقت أسماء الزغاريط فى فرحة شديدة وكان ذلك اليوم مبهجًا ولكن كانت سعادتهم غير كاملة بسبب عدم وجود طيف ...

أنهى طيف دراسته بكلية الشرطة التى كانت عامًا واحدًا لانه حاصل على مؤهل عالى طب وحصل على رتبة نقيب
أنهى مصافحة شقيقته تنّة وأيضًا والدته التى أطلقت زغروطة عالية بسبب إنهاء ولدها غيابه وعودته إليها مرة أخرى ثم توجه إلى شقيقته رنّة وهو يقول بصوت مرتفع :
- مبروووك يا بشمهندسة.

ارتمت فى حضنه قائلة :
- الله يبارك فيك يا طيف ، وحشتنى والله وكان نفسى تبقى معايا يوم النتيجة
تركها طيف وتوجه إلى شنطته وأخرج منها شنطة قماشية جميلة وصغيرة يوجد بداخلها صندوق طويل نسبيًا وصاح بمرح :
- عوضتك عن عدم وجودى بهدية حلوة أهو ، خدى شوفى
أخذت من يده الحقيبة بحماس وفتحتها لتتفاجئ بمحتواها وصاحت بفرحة عارمة :
- الله أيفون.

ثم انطلقت فى حضنه مرة أخرى فربت على كتفها بإبتسامة :
- يلا ياستى مارضتش أجى غير لما أشتريه ، موبايل أنا نفسى مش شايله .. مش خسارة فيكِ يا حبيبتى
صاحت أسماء بسعادة :
- ربنا يخليك يا ضنايا وتجيب وتهادى على طول
اقترب منها طيف وقبل يدها بود قائلًا :
- تسلميلى يا أحن واحدة فى الدنيا دى كلها ، بقولك ايه أنا لازم أروح المشوار ده
ضمت ما بين حاجبيها بتعجب وهى تردد :
- مشوار ايه ؟

ابتسم وهو يضيف :
- هروح لبابا المديرية أسلم عليه
ربتت أمه على كتفه بحنو قائلة :
- طيب يا حبيبى وأنا وأخواتك هنحضر الأكل عقبال ما تيجى
- اشطا أوى .. سلام.

قاد سيارته بنفس هيئته بذى الشرطة الذى يرتديه وانطلق إلى المديرية وما إن وصل حتى ترجل منها ودلف إلى الداخل ومنه توجه إلى مكتب والده ، وصل إلى المكتب وتحدث بجدية إلى الأمين :
- سيادة اللواء جوا ؟
حرك الأمين رأسه وردد :
- أيوة يا باشا ثوانى هبلغه
دلف الأمين إلى الداخل وأخبر اللواء أيمن بوجود ابنه فأمره بالسماح له بالدخول وبالفعل دلف طيف إلى الداخل وعلى وجهه إبتسامة وما إن رأى والده حتى وقف واستقام بجسده وأدى التحية وهو يهتف بجدية :
- تمام يا سيادة اللواء.

ضحك أيمن بصوت مرتفع وتقدم وضم طيف بحب شديد وربت على ظهره قائلًا :
- حمدلله على سلامتك يا سيادة النقيب
ثم اعتدل فى وقفته وأردف بهدوء :
- كويس إنك جيت ، عايز أعرفك باللى هيدربك الفترة الجاية
رفع حاجبيه متعجبًا وأغلق عينيه وفتحها عدة مرات ليقول :
- هاا !! أنا دماغى هنجت ، تدريبات ايه ماأنا كنت بتدرب فى الكلية وخلاص.

تحدث أيمن وهو يتجه إلى كرسيه مرة أخرى :
- أيوة عارف ، دى تدريبات مختلفة تقدر تقول زى بتاعة القوات الخاصة والصاعقة ، عايزك تكون جاهز لأقصى درجة
لوى ثغره بعدم رضا وأردف :
- يابختك المايل يا طيف ، يعنى هقعد كام شهر كمان ؟
ابتسم والده وهو يضيف :
- لا دى شهرين بس ومش هتبعد كمان ، يعنى كل يوم تدريب وتروح البيت عادى كأنه جيم بالظبط.

حرك رأسه بتفهم ثم جلس على الكرسى المقابل لوالده وتحدث :
- طيب تمام ، مين بقى المسئول عن تدريبى
اتسعت إبتسامة والده قائلًا :
- حد أنتَ عارفه كويس أوى
اتسعت عيناه وقال بتردد :
- بالله عليك يا شيخ ما تقول إنه رماح
رفع والده سماعة الهاتف الموضوع أمامه وانتظر قليلًا ثم نطق بنبرة جدية :
- مستنيك فى مكتبى دلوقتى.

قام بوضع السماعة ونظر إلى طيف ليقول بإبتسامة :
- هتعرف مين دلوقتى
فى تلك اللحظة دق الباب فصاح أيمن بصوت مرتفع :
- ادخل
كان ما توقع طيف ، دلف الرائد رماح إلى المكتب وأدى التحية وهو يقول :
- تمام يا باشا ، سعادتك عايزنى فى حاجة
أشار إلى الكرسى المقابل لطيف وهو يقول :
- اقعد.

جلس رماح ورمق طيف بنظرات غير مفهومة ثم نظر إلى اللواء أيمن منتظرًا حديثه ..
قطع ذلك الصمت صوت أيمن الذى هتف بنبرة هادئة :
- طيف جاهز من بكرا يا رماح للتدريبات اللى كنت قلتلك عنها ، زى ما فهمتك قبل كدا عايزه جاهز فى شهرين بالظبط ، مفهوم !!
أومأ رماح رأسه بالإيجاب مرددًا :
- تمام يا باشا من بكرا هنبدأ
وجه أنظاره إلى طيف ليقول بجدية :
- تمام .. روح مع رماح على مكتبه دلوقتى وهيفهمك الدنيا هتمشى ازاى.

حرك طيف رأسه وهو يقول بصوت غير مسموع :
- ايه يا بابا أنا جاى أسلم عليك تقوم تلبسنى فى تدريبات ومع رماح كمان
رفع أيمن حاجبيه ليقول متسائلًا :
- بتقول حاجة يا طيف
رسم إبتسامة مصطنعة ليرد عليه :
- لا أبدًا يا باشا ، أستأذنك
ثم وقف هما الاثنين وأدوا التحية وانطلقوا إلى الخارج ...

أشار رماح إلى طيف واتجه إلى المكتب الخاص به ثم جلس على مقعده وأشار إلى طيف بالجلوس فنفذ الأمر ، ابتسم رماح إبتسامة واسعة وهتف بفخر :
- دلوقتى أنا رئيسك فى الشغل وأنا المسئول عن تدريبك وطبعا هنا تنفيذ أوامر يعنى تنسى مهنة الطب دى خالص وتركز فى اللى هقوله تمام ؟
صمت طيف قليلًا ثم رسم إبتسامة مصطنعة وهو يردد :
- تمام طبعًا ، فاهم يا باشا وجاهز لأى حاجة.

تابع رماح بنفس الإبتسامة :
- تمام كدا ، دلوقتى هنتقابل فى مركز التدريب الساعة 6 الصبح وممنوع منعًا باتًا التأخير .. التدريب هيفضل مستمر لغاية الساعة 3 ، هتيجى أنتَ من التدريب على هنا تتابع شغلك عادى فى المديرية وهتروح البيت الساعة 8 بالليل ، ده هيبقى سير شغلك الشهرين الجايين لغاية ما تخلص تدريبات وساعتها هبلغك بالجديد .. اه نسيت أقولك ... انسى تمامًا إنك ابن سيادة اللواء أيمن علشان هنا مفيش أنا ابن كذا .. هنا كله بيشتغل بالأوامر ومفيش وقت لشغل الحضانة ده ، تمام ؟
شعر طيف بالضيق وزفر بهدوء ليجيبه قائلًا :
- تمام يا رماح باشا .. اللى تؤمر بيه.

حرك رأسه برضا وأشار إليه قائلًا :
- تمام أوى ، تقدر تروح النهاردة ونتقابل بكرا فى مركز التدريب الساعة 6 ، العنوان هتلاقيه فى الورقة دى
وقف طيف وأدى التحية
- تمام يا باشا ..
خرج طيف من مكتبه وزفر بقوة وهو يحدث نفسه بضيق :
- كانت ناقصة كمان .. شكلك ناوى تعذبنى يا بابا علشان كدا اختارت رماح ، يا مستنى إنك تستريح فى الإجازة يا مستنى الميت يرقص فى الجنازة.

تقدمت للكمه لكنه تصدى للضربة فضربته الأخرى فانخفض وتلاشاها .. كانت المعركة حامية بينهما إلى حد كبير ، لكمها غيث بقوة فصدت ضربته فرفع قدمه بحركة سريعة ومثل أنه سيضربها فجهزت نفسها لتلاشيها لكنه فاجأها بإلتفافه السريع ومد قدمه وهو يسحبها أسفله ليوقعها أرضًا بقوة ...
تألمت بشدة فانطلق إليها بقلق ورفعها وهو يقول بخوف :
- ليان أنتِ كويسة !! أسف والله.

ابتسمت ورفعت يدها لتمسك بكتفه قائلة :
- متقلقش أنا كويسة ، حلو أوى أنتَ دلوقتى بقيت جاهز وخلصت فترة تدريبك .. طالما أخيرًا عرفت توقعنى يبقى كدا مهمتى انتهت .. مبروك يا غيث
وقف ومد يده ثم سحبها لتقف هى الأخرى وأردف بهدوء :
- ايه ده يعنى كدا خلاص !! تدريبى خلص يعنى مش هشوفك تانى
حدقت به بأسى شديد وانهمرت دمعة من عينيها لتقول :
- أيوة .. للأسف.

مد يده ومسح دموعها وأردف :
- طيب بتعيطى ليه دلوقتى ! هم هيموتونى ولا ايه
ضحكت من بين بكائها ونظرت إلى عينيه وشردت فيهما فابتسم غيث وتابع :
- ليان أنا كنت .. كنت مستنى اللحظة المناسبة اللى اعترفلك فيها ، ليان أنا ..
انتبهت وسألت بلهفة :
- أنتَ ايه ؟
- أنا
- هااا.

ابتسم وهو يقول مازحًا :
- أنا جعان أوى
ضربته بيدها بقوه فى كتفه فتألم وهو يتراجع الى الخلف وردد :
- اهااا ياستى بهزر .. ايدك تقيلة
حركت رأسها وزفرت بضيق ثم عاودت النظر إليه قائلة :
- معلش ما أنتَ اللى استفزتنى
اقترب منها مرة أخرى بعد أن ارتسمت إبتسامة خفيفة على ثغره وأردف بحب :
- بجد ، ليان أنا كنت محتار اعترفلك امتى بس جه الوقت طالما التدريب خلص .. ليان أنا .. أنا ...
نظرت إليه بشوق ولهفة واضحة فتابع :
- أنا بحبك.

انطلقت وارتمت بين أحضانه وتعلقت به بحب فضمها هو الآخر وربت على ظهرها ...
اعتدلت ثم نظرت إلى عينيه وعيناها مليئة بالدموع لتقول فى كلمة واحدة :
- اهرب !!!
ارتفع حاجبيه بتعجب وأردف بتساؤل :
- أهرب ايه ؟ مش فاهم حاجة ، معقولة إجابة السؤال اللى سألتهولك قبل كدا ؟
تابعت بتردد شديد :
- أيوة يا غيث .. أيوة ، لما قلتلى احنا مع الخير ولا مع الشر ، فضلت أسأل نفسى السؤال ده كل يوم بس دلوقتى عرفت الإجابة .. احنا مع الشر يا غيث .. مع الشر.

حرك رأسه بعدم فهم ليردد بتساؤل :
- أنا مش فاهم حاجة ، أنتِ قلتيلى هتفهمينى كل حاجة بعد التدريب .. التدريب خلص أهو فهمينى بقى
انهمرت دمعة أخرى من عينها وأخذت تتحرك ذهابًا وإيابًا دون أن تتحدث ، كانت نظراته تتابعها بغموض شديد حتى وقفت واقتربت منه بهدوء وهى تقول :
- هحكيلك كل حاجة من البداية بس طالما حكيتلك يبقى هيقتلونى ... لأنى ... لأنى مش المفروض أقولك على أى حاجة وأنا كدبت عليك علشان تكمل التدريب بس هقولك وخلاص.

اقترب منها ورفع صوته قائلًا :
- هم مين دول اللى يقتلوكى !! وليه
أغلقت عينيها للحظات ثم فتحتها مرة أخرى وبدأت تسرد له :
- هحكيلك كل حاجة ... أنا كنت بنت عادية زى أى بنت .. بابا مات وأنا صغيرة وماما ماتت بعده بفترة صغيرة ، ماكانش ليا غير أخويا مصطفى كان كل حاجة بالنسبة ليا .. كان الأب والأم والأخ وكل حاجة .. كان بيتعب ويلف ويشتغل علشان يأكلنى ويعلمنى لكن الحال مابيدومش ، فى يوم اتعرف على حد ودله على شغل مشبوه ..

هو مش مخدرات ولا حاجة بس تبع منظمة دولية مجهولة ... كل شغل المنظمة دى إنك تقبض مقابل إنها تخلص على أى حد وفى أى دولة ، وطبعا لازم يكون ليهم رجالة فى كل دولة ومدربين على أعلى مستوى .. أخويا اتعرض عليه الشغل ووافق وقرر ياخدنى معاه ، هو اتدرب وأنا اتدربت فى سنى الصغير ده واتعلمنا كل حاجة لغاية ما هو خلص تدريبه وبعتوه مصر تانى يخلص كام مهمة اغتيال وفعلًا فضل عايش بعيد عنى لمدة سنتين وأنا هنا فى أمريكا كل اللى بعمله إنى بتدرب لغاية ما وصلنى خبر موته ، ساعتها قررت أكمل لوحدى وفضلت كل يوم أخرج طاقتى فى التدريب لغاية ما بقيت على أعلى مستوى وبقيت أنا اللى بدرب اللى بينضم لينا لغاية ما جيت أنتَ .. اتطلب منى أدربك وأجهزك على أعلى مستوى.

فغر شفتيه بصدمة شديدة وأغلق عينيه ليستوعب ما قصته عليه ، فتح عينيه وأردف بهدوء :
- طيب المفروض بيدربوا اللى بينضم ليهم .. أنا ماانضمتش
تابعت ليان :
- ما هم آخر فترة بسبب قلة اللى بينضموا قرروا يشوفوا أكفأ الناس وأكترهم صحة ومالهمش حد ويخدروهم ويسفروهم على هنا زيك كدا ويدربوهم وبعد كدا يقولوا ليهم على سبب التدريب واللى يرفض يهددوه يا إما يقبل يبقى شغال معاهم وتحت عينيهم يا إما يخلصوا عليه ...